و قوله هذا زعم باطل ، و فيه تغليط ، لأن الذي فعله المأمون ليس تنصيبا للعقل المسلم في دين الإسلام و لا في تاريخه ، و إنما هو تنصيب للعقل اليوناني الفلسفي القائم على الشرك و الوثينة ،و الضلالات و الأساطير ، التي تقوم عليها فلسفة اليونان في الطبيعيات و الإلهيات ، و التي برمتها تجد أصولها و فصولها في الأساطير اليونانية ، باعتراف الجابري نفسه (1) .
و أما العقل في الإسلام فقد نُصب رسميا عند نزول أول آية من القرآن الكريم ، بقوله تعالى: - {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ، خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ...} - سورة العلق/ 1-2- ، فهذا هو العقل المسلم الذي نصبه الإسلام ، ثم نمى و ترعرع في أحضانه ، برعياية من الوحيين -الكتاب و السنة- ، حتى أصبح عقلا كاملا ناضجا متنزنا ، قائما على النقل الصحيح ،و العقل الصريح ، و العلم الصحيح ، لا مجال فيه للأوهام و الخرافات و الضلالات ، و تجلى ذلك واصحا في كبار علماء الصحابة و التابعين الذين قامت على أيديهم الحركة العلمية قبل عصر التدوين (2) .
و في مقابل ذلك يجب أن لا يغيب عنا أن العقل اليوناني الوثني الذي نُصب باسم الإسلام على حد زعم الجابري ، كان في -عمومه- حربا على الإسلام ، تخريبا وإبعادا و احتواء . و لم يكن الإسلام مضطرا أبدا إلى تبني ذلك العقل الوثني و فلسفته (3) ، و قد عاش المسلمون بالإسلام و للإسلام أكثر من 150 سنة من دون العقل اليوناني و فلسفته .
(1) التراث و الحداثة ، ص: 312 .
(2) عمر سليمان الأشقر: تاريخ الفقه الإسلامي ، ص: 73 .
(3) سنتطرق لهذا الموضوع في المجموعة الثانية من أخطاء الجابري من هذا المبحث .