و الشاهد الثالث يتمثل في أن السنة النبوية كان كثير منها مدونا في صحف و رقاع شخصية في القرن الأول الهجري ، ثم زاد عددها عندما أمر الخليفة عمر بن عبد العزيز بتدوين الحديث النبوي (1) . و بناء على الشواهد التي ذكرناها فإنه بما أن السنة النبوية هي المفسرة للقرآن و المطبقة له، و الشرع أمر بالالتزام بها ، و حاجة المسلمين إليها ماسة ، فإن ذلك يعني -بالضرورة- أن السنة الصحيحة كانت معروفة و مطبقة و منتشرة بين المسلمين بكثرة قبل الفتنة الكبرى (35-41ه) و بعدها .
و بناء على ذلك فإنه لا يصح شرعا و لا عقلا و لا تاريخا القول بما زعمه أركون من أن الحديث النبوي كان اختلاقا مستمرا لم يصح منه إلا القليل الذي يصعب تمييزه و حصره .و إنما الصحيح هو عكس ما زعمه أركون تماما من أن السنة الصحيحة هي الأصل و الأكثر انتشارا و تداولا . ثم لما انتشر الكذب على الرسول-عليه الصلاة و السلام - تصدى له علماء الحديث و بذلوا جهودا كبيرة مضنية لتنقية السنة و تمييز صحيحها من سقيمها ، وفق منهج علمي نقدي كامل جمع بين نقد الأسانيد و المتون معا (2) . و هذا أمر أغفله أركون معتمدا على التقزيم و الإغفال ،و التغليط و التدليس ،و التحريف و التهويل .
(1) نفس المرجع ، ص: 329 و ما بعدها .
(2) نفس المرجع ، ص: 219 و ما بعدها ، 239 و ما بعدها .