الصفحة 54 من 91

وتهدد رسول الله صلى الله عليه وسلم من حفِظ قصيدة الأفوَه الأوْديّ وضمِن له النار، أنفَةً من الهجاء وغضبًا من مواقعِ نبْله. وسمع صلى الله عليه وسلم رجلًا يُنشد:

كانتْ قُريشٌ بيضَةً فتفلّقَتْ ... فالمُحُّ خالِصُها لعبدِ الدارِ

فغضبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال لأبي بكر رضي الله تعالى عنه: أهكذا قال الشاعر؟ قال لا يا رسولَ الله إنما قال:

يا أيها الرجلُ المُحَوِّلُ رحْلَهُ ... هلاّ نزلْتَ بآلِ عبدِ مَنافِ

الضاربينَ الكبْشَ يبْرُقُ بيضُهُ ... والقائِلينَ هلُمَّ للأضْيافِ

الخالطينَ فَقيرَهُم بغنيِّهم ... حتى يعودَ فقيرُهُم كالكافي

عَمْرو العُلَى هشَمَ الثريدَ لقومِه ... ورجالُ مكةَ مُسْنِتون عجافُ

كانت قُريْشٌ بيضةً فتفلّقَتْ ... فالمُحُّ خالِصُها لعبدِ منافِ

ففرح صلى الله عليه وسلم حتى برقَتْ أساريرُ وجهه وقال: هكذا قال. وبلغة صلى الله عليه وسلم أن كعبَ بن زُهير هجاهُ فنذرَ دمَه، فجاءَه متنكِّرًا حتى دخل المسجِدَ واستأذنه في إيراد مدحته فأذِنَ فقام بين يديه وأنشد:

بانَتْ سُعادُ فقلبي اليومَ متْبولُ ... متيّمٌ إثرَها لم يُفْدَ مكبولُ

فلما بلغَ الى قوله:

نُبّئتُ أنّ رسول الله أوعدَني ... والعفوُ عند رسولِ الله مأمولُ

فقال: عفَى الله عنكَ، وخلعَ عليه بُردَتَه وطيّبَ نفسه وأمنَه ولولا شِعرُهُ لطاحَ دمُه وكان مآلُه جهنّم.

وحدّث أبو يعلى الأشْدَق قال: سمِعْتُ النابغةَ يقول: أنشدتُ النبي صلى الله عليه وسلم:

بلَغْنا السماءَ مجدُنا وجُدودُنا ... وإنّا لنَرْجو فوقَ ذلك مَظْهَرا

فغضب وقال: أين المَظهَرُ يا أبا ليلى؟ قلت: الجنةُ يا رسولَ الله، قال: أجلْ إن شاءَ الله تعالى وتبسّم فقلت:

ولا خيْرَ في حِلمٍ إذا لم تكُنْ له ... بوادرُ تحمي صَفوَهُ أن يُكَدّرا

ولا خيرَ في جهْلٍ إذا لم يكُنْ لهُ ... حليمٌ إذا ما أوردَ القومُ أصْدَرا

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجَدْتَ لا يَفْضُضِ اللهُ تعالى فاكَ مرّتين، فعاش أكثر من مائة سنة وكان من أحسن الناس ثغرًا.

وحدّث أبو غزيّةَ الأنصاري قال: لما أنشدَ حسانُ بن ثابت رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمَتَه حتى وصل الى قوله:

هجَوْتُ محمّدًا فأجبتُ عنهُ ... وعندَ اللهِ في ذاكَ الجزاءُ

تبسّم صلى الله عليه وسلم وقال له: جَزاكَ اللهُ الجنةَ على ذلك. ثم أنشده:

فإنّ أبي ووالدَه وعِرْضي ... لعِرْضِ محمّدٍ منكم وِقاءُ

فقال صلى الله عليه وسلم: وقاكَ اللهُ حرَّ النار.

وحدّث هشامُ بنُ عروة قال، حدّثني أبي قال: حدّثتني عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعِدًا يخصِفُ نعلًا وأنا قاعدَة أغزِلُ، فجعلتُ أنظرُ الى سالفتِه وخدُّه قد عرِقَ، فجعلَ يتولّدُ عرقُه نورًا فبُهِتُّ. فرفع رأسَه فنظر إليّ فقال: يا عائشة، إلى ماذا تنظرين، قد بُهِتِّ؟ فقلت: ما أنظرُ الى شيء منكَ إلا تولّد في عيني نورًا، أمَا والله لو رآكَ أبو كَبير الهُذَليّ لعلِمَ أنك أحقُّ بشِعره من غيركَ، قالت: فقال: وأي شيء قال أبو كبير؟ فقلت: قال:

ومبرّأٍ من كلِّ غُبَّرِ حَيضَةٍ ... وفسادِ مُرضِعَةٍ وداءٍ مُغيلِ

وإذا نظرْتَ الى أسرّةِ وجهه ... برَقَتْ كبرقِ العارضِ المتهلِّلِ

قالت: فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان في يده وقام إليّ فقبل ما بين عينيّ وقال: جزاك اللهُ تعالى يا عائشة خيرًا، فما أذكرُ متى سُرِرْت كسُروري بكلامك.

وروى هشام بن عروة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عبدَ الله بن رَواحة أن يرتجِلَ شعرًا فقال من أبيت:

أنتَ النبيُّ ومن يُحْرَم شفاعَتَهُ ... يومَ الحِسابِ فقد أزْرى به القدرُ

فثبّتَ اللهُ ما آتاكَ من حسَنٍ ... تثبيتَ موسى ونصْرًا كالذي نُصِروا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت