فهرس الكتاب

الصفحة 6510 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 11، ص: 182

وفي (تنبّئهم) يعود إلى المؤمنين، وأنّ الضّمير في (قلوبهم) يعود إلى المنافقين.

ويلاحظ أوّلا: أنّ المؤمنين لم يرد لهم ذكر في الآية، وأنّ المذكورين فيها صراحة هم المنافقون، كما أنّ الآية الّتي قبلها تحدّثت عن المنافقين، دون غيرهم.

ثانيا: يلزم من هذا التّفسير التّفكيك بين الضّمائر، مع عدم الدّليل على ذلك.

ومن أجل هذا نرجّح الرّأي القائل بأنّ الضّمائر كلّها تعود إلى المنافقين، وأنّ"على"في (عليهم) بمعنى"في"كما هي في قوله تعالى: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ البقرة: 102، أي في ملكه، ومثلها أيضا فيما يقال: كان هذا على عهد مضى؛ وعليه يكون المعنى يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ - تهكّما- أن تنزل سورة تكشف عمّا يضمرون من العداء للإسلام والمسلمين.

فتوعّدهم اللّه سبحانه بأنّ السّورة الّتي سخروا من نزولها نازلة لا محالة، وأنّها تقابلهم وجها لوجه، فيعتذرون حيث لا تنفعهم المعاذير. (4: 64)

الطّباطبائيّ: كان المنافقون يشاهدون أنّ جلّ ما يستسرّون به من شؤون النّفاق، ويناجي به بعضهم بعضا من كلمة الكفر ووجوه الهمز واللّمز والاستهزاء، أو جميع ذلك لا يخفى على الرّسول، ويتلى على النّاس في آيات من القرآن يذكر النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله أنّه من وحي اللّه، ولا محالة كانوا لا يؤمنون بأنّه وحي نزل به الرّوح الأمين على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله، ويقدّرون أنّ ذلك ممّا يتجسّسه المؤمنون فيخبرون به النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله فيخرجه لهم في صورة كتاب سماويّ نازل عليهم، وهم مع ذلك كانوا يخافون ظهور نفاقهم وخروج ما خبوه في سرائرهم الخبيثة، لأنّ السّلطنة والظّهور كانت للنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله عليهم يجري فيهم ما يأمر به ويحكم عليه.

فهم كانوا يحذرون نزول سورة يظهر بها ما أضمروه من الكفر، وهمّوا به من تقليب الأمور على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وقصده بما يبطل به نجاح دعوته وتمام كلمته، فأمر اللّه نبيّه صلّى اللّه عليه وآله أن يبلّغهم أنّ اللّه عالم بما في صدورهم، مخرج ما يحذرون خروجه وظهوره بنزول سورة من عنده، أي يخبرهم بأنّ اللّه منزل سورة هذا نعتها.

وبهذا يستنير معنى الآية، فقوله: يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ الخطاب للنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ووجه الكلام إليه، وهو يعلم بتعليم اللّه أنّ هذا الكلام الّذي يتلوه على النّاس كلام إلهيّ وقرآن منزل من عنده، فيصف سبحانه الكلام الّذي يخاف منه المنافقون بما له من الوصف عند النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وهو أنّه سورة منزلة من اللّه على النّاس ومنهم المنافقون، لا على ما يراه المنافقون أنّه كلام بشريّ يدّعي كونه كلام اللّه.

فهم كانوا يحذرون أن يتلو النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله عليهم وعلى النّاس كلاما هذا نعته الواقعيّ، وهو أنّه سورة منزّلة عليهم بما أنّها متوجّهة بمضمونها إليهم قاصدة نحوهم، ينبؤهم هذه السّورة النّازلة بما في قلوبهم، فيظهر على النّاس ويفشو بينهم ما كانوا يسرّونه من كفرهم وسوء نيّاتهم، وهذا الظّهور في الحقيقة هو الّذي يحذرونه من نزول السّورة. [إلى أن قال:]

فصدر الآية وإن كان يذكر أنّهم يحذرون تنزيل سورة كذا وكذا، لكنّهم إنّما كانوا يحذرونها لما فيها من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت