فهرس الكتاب

الصفحة 4142 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 8، ص: 510

ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ* ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ ... فنفى ألوهيّته باعترافه هو في السّورتين بأنّه عبد اللّه، وأنّ هذا- أي توحيد اللّه بالألوهيّة- هو الصّراط المستقيم. ثمّ نبّه في الزّخرف على أنّ المشركين لم يذكروا ألوهيّة عيسى إلّا جدلا، لأنّهم لم يعترفوا به ولا برسالته، وأنكروها كما أنكروا رسالة غيره من الأنبياء عليهم السّلام.

2 -لمّا كانت شبهة ألوهيّة عيسى نشأت من ولادته بشكل غير معتاد وبلا أب، أصرّ القرآن على شرحها مرّات، أوّلها في سورة مريم المكّيّة (2) إلى (33) ، حيث بدأها بدعاء زكريّا ربّه ليهبه ولدا، رغم شيخوخته وهرمه ودقّة عظمه، ناهيك من عقم امرأته: فوهبه اللّه يحيى خرقا لنواميس الطّبيعة، ليكون شاهدا على ولادة عيسى كذلك. ثمّ أتلاها قصّة مريم، إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيّا، فتمثّل لها روح اللّه بشرا سويّا ... فحملته مريم، ثمّ قال: ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ فدفع اللّه بذلك شبهة النّصارى في عيسى، دحضا لجدل المشركين المشار إليه في سورة الزّخرف المكّيّة. وقد كرّرها في آل عمران (35) إلى (47) المدنيّة، إبطالا لتلك الشّبهة عند النّصارى أنفسهم، فبدأها بقصّة امرأه عمران وإيلادها مريم، وأنّ زكريّا كفّلها، ثمّ رأى منها الأعاجيب. ولم يكن له ولد، فسأل اللّه الذّريّة الطّيّبة: هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ... آل عمران: 38.

-وقد بسطنا القول في سرّ تأكيد القرآن للتّعبير ب"عيسى بن مريم"، دفعا لشبهة ألوهيّته، لاحظ"ابن"من (ب ن و) - وقد أيّدها بقوله في (1) : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، أي في الولادة الخارقة للعادة، وقد سبق فيها آدم عيسى، ولم يكن إلها. وفي (6) : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ... ، أي: ها أنتم تعترفون بأنّ عيسى هو ابن مريم، فكيف تقولون: إنّه ابن اللّه؟!

3 -أبطل اللّه تلك الشّبهة في (7) مستدلّا بأنّ عيسى وأمّه كانا بشرين يأكلان الطّعام: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ، أي إذا كانا يأكلان الطّعام، فهما كسائر أفراد البشر تغذية وتخلية، فكيف يكونان إلهين؟

4 -وبأنّ عيسى وأمّه لا يملكان للنّاس ضرّا ولا نفعا، فكيف يكونان إلهين يعبدونهما؟ قال في (7) :

قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، أي أنّ اللّه هو المختصّ بوصف"السّميع العليم"، وهو الّذي يضرّ وينفع، فهو الإله دون المسيح وأمّه.

5 -وفي (6) بأنّ اللّه إذا أراد أن يهلك المسيح وأمّه فلا يمنعه شي ء من ذلك: قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ... ، أي إذا كانا إلهين فكيف يهلكان؟ ثمّ إذا هلكا فمن يملك السّماوات والأرض، فاللّه الّذي ملكهما هو الّذي يهلكهما، فهو الإله دونهما.

6 -وفي (5) بأنّ اللّه غنيّ عن الولد، ولا يتّخذ لنفسه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت