فهرس الكتاب

الصفحة 2289 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 469

من البسر، وهو التّمر قبل أن يرطب، لأنّ من أكله يقطّب وجهه.

وعلى كلّ حال فقد تفرّع منه معنيان:

أحدهما: ذمّ، وهو قبح المنظر، لأنّ من يقطّب وجهه يظهر منظره قبيحا، وينظر بكراهة، ومنه: بسر، أي نظر بكراهة شديدة.

وثانيهما: مدح، ويقال للأسد: باسل، لأنّ وجهه المقطّب يحكي عن غضبه وشجاعته، وقد يوصف به الرّجل الشّجاع، فيقال له: الباسل.

4 -وقد ذكر ابن فارس أصلا ثانيا للمادّة، وهو وقوف الشّي ء وقلّة حركته، ومنه: أبسر المركب في البحر، أي وقف. وقد نسب القرطبيّ هذه اللّغة إلى أهل اليمن، وكذلك الآلوسيّ، ثمّ قال:"و في النّفس من ثبوت ذلك لغة صحيحة توقّف".

ونقول: لو ثبتت صحّته فلعلّه متفرّع من"البسور"أي التّجهّم والعبوس، لأنّ صاحبه يبقى مفكّرا بلا حراك، أو لأنّ فيه ضعفا ونقصا، كما قال المصطفويّ، فلاحظ.

5 -وإذا تجاوزنا ذلك، فكلّ ما ذكر من الباسور، وجمعه بواسير: مرض معروف، والبياسرة، جمع بيسريّ، جيل بالسّند، والبسار: مطر يدوم طويلا بالهند، هي ألفاظ أعجميّة دخيلة، وليست عربيّة، إلّا أنّهم اشتقّوا من الباسور لفظ مبسور، وهو من أصيب به.

الاستعمال القرآنيّ

جاء من هذه المادّة لفظا (بسر) و (باسرة) في سورتين مكّيّتين من السّور القصار:

1 -ثُمَّ نَظَرَ* ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ* ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ

المدّثّر: 21 - 23

2 -وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ* تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ القيمة: 24، 25

يلاحظ أوّلا: أنّ أولاهما وصف لمن أنكر القرآن أشدّ الإنكار، وثانيتهما وصف لوجه الكفّار في الآخرة، فانقسمت المادّة بين الدّنيا والآخرة وصفا للكافر العنيد، والآخرة هي انعكاس الدّنيا ومحصولها.

ثانيا: اختصّت السّور المكّيّة بذلك لما كان فيها من الإنكار المؤكّد، وما في سورها من الاسترسال وتناسب الفواصل. فالفاصلة في جملة الآيات الأولى (فعل) مختوم ب"راء"، فجاء (بسر) ، وفي الثّانية (فاعلة) مختومة ب"راء"أيضا، فجاءت (باسرة) . فلرعاية الفواصل دخل في اختيار هاتين الصّيغتين في السّورتين.

ثالثا: جاءت (بسر) في الأولى بعد (عبس) ، و (عبس) ، بعد (نظر) ، و (نظر) بعد (فكّر وقدّر) ، والفاصل بين كلّ آية وأخرى الحرف (ثمّ) على النّحو التّالي: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ* فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ* ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ* ثُمَّ نَظَرَ* ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ* ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ المدّثّر: 18 - 23، فقد فصلت هذه الأفعال بعضها عن بعض ب (ثمّ) ، ولم يفصل بها بعض عن بعض آخر، فلم يفصل (قدّر) عن (فكّر) ، ولا (بسر) عن (عبس) ، ولا (استكبر) عن (ادبر) .

وقد أتى في صدرها بجملتين مكرّرتين معترضتين دعاء على هذا المنكر العنيد، ممّا يحكي شدّة السّخط عليه، وشدّة إدانته جرّاء عناده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت