فهرس الكتاب

الصفحة 2267 من 9912

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته، ج 5، ص: 447

تأثير دواعيهما الطّبيعيّة في نفسه، فلا يصيبه شي ء يخرجه من جماعة المحسنين الّذين شهدنا له بأنّه منهم إلى جماعة الظّالمين الّذين ذمّهم، وشهد هو في ردّه عليها بأنّهم لا يفلحون، وشهادته حقّ. (12: 278)

الطّباطبائيّ: البرهان هو السّلطان، ويراد به السّبب المفيد لليقين، لتسلّطه على القلوب كالمعجزة.

قال تعالى: فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ القصص: 32، وقال: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ النّساء: 174، وقال: أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ النّمل: 64، وهو الحجّة اليقينيّة الّتي تجلي الحقّ ولا تدع ريبا لمرتاب.

والّذي رآه يوسف عليه السّلام من برهان ربّه وإن لم يوضحه كلامه تعالى كلّ الإيضاح، لكنّه- على أيّ حال- كان سببا من أسباب اليقين، لا يجامع الجهل والضّلال بتاتا.

ويدلّ على أنّه كان من قبيل العلم قول يوسف عليه السّلام فيما يناجي ربّه: وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ يوسف: 33.

ويدلّ على أنّه ليس من العلم المتعارف بحسن الأفعال وقبحها ومصلحتها ومفسدتها أنّ هذا النّوع من العلم قد يجامع الضّلال والمعصية، وهو ظاهر قوله تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ الجاثية: 23، وقال: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ النّمل: 14.

فالبرهان الّذي أراه به وهو الّذي يريه اللّه عباده المخلصين، نوع من العلم المكشوف واليقين المشهود، تطيعه النّفس الإنسانيّة طاعة لا تميل معها إلى معصية أصلا، وسنورد فيه بعض الكلام إن شاء اللّه تعالى.

[و تمام الكلام في"ه م م"] (11: 128)

مكارم الشّيرازيّ: ما المراد من بُرْهانَ رَبِّهِ؟

"البرهان"في الأصل مصدر"بره"ومعناه الابيضاض، ثمّ أطلق هذا اللّفظ على كلّ دليل محكم قويّ يوجب وضوح المقصود، فعلى هذا يكون برهان اللّه الّذي نجّى يوسف نوعا من الأدلّة الإلهيّة الواضحة، وقد احتمل فيه المفسّرون احتمالات كثيرة، من جملتها:

1 -العلم والإيمان والتّربية الإنسانيّة والصّفات البارزة.

2 -معرفته بحكم تحريم الزّنى.

3 -مقام النّبوّة وعصمته من الذّنب.

4 -نوع من الإمداد الإلهيّ الّذي تداركه في هذه اللّحظة الحسّاسة بسبب أعماله الصّالحة.

5 -هناك رواية يستفاد منها أنّه كان في قصر امرأة عزيز مصر صنم تعبده، وفجأة وقعت عيناها عليه، فكأنّها أحسّت بأنّ الصّنم ينظر إلى حركاتها الخيانيّة ... في حيرة وغضب نهضت وألقت عليه سترا فاهتزّ يوسف لهذا المنظر، وقال: أنت تستحين من هذا العمل من الصّنم الّتي لا تملك عقلا ولا شعورا ولا إحساسا، فكيف لا أستحيي من ربّي الخبير بكلّ شي ء، والّذي لا تخفى عليه خافية!

فهذا الإحساس منح يوسف قوّة جديدة، وأعانه على الصّراع الشّديد في أعماق نفسه بين الغريزة والعقل، ليتمكّن من التّغلّب على أمواج الغريزة في نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت