شاهد السلطان سليمان وعاش في اسطنبول , يقول رحمه الله:
(ذات المحل الأرفع والمقام الأسمى , مدينة العلم وقرارة الحلم , ومحط الرجال , ومنتهى الترحال , وكعبة الكرم , وقبلة النِّعم , ومعدن الفخار , وموطن السنن والآثار , ومنبع الإقبال , ومربع الآمال , ومنتهى المطالب , ومشتهى القاصد والطالب , مَظهر شموس السيادة , ومقر السعادة , آياتُ محاسنها لم تزل بألسن السُّمار مملوَّه , وعرائس بدائعها لم تبرح على أعين النظار مجلُوّه , أجلّ ما فُتح من البلاد , وأعظم ما استخلصته يد الصلاح من الفساد , كم خَطبها عظيمٌ من ملوك الزمان وأمهَرَها مواضى المشرفية وعوالى المُرّان , وهى أشد ما يكون إباء , وأوفى ما يتصور منعة واستعصاء , إلى أن قصدها من ادُّخر له ذلك الفتح , في خبر طويل الشرح , وهو المرحوم السعيد الشهيد السلطان محمد خان بن مراد خان بن عثمان , بوّأهُ الله غُرف الجنان , بمزيد من العفو والغفران , فذلت له صِعابُها , وخضعت لعزته رقابها ,ولان جماحها , وتسنّى انفتاحها , وأُعلن فيها بالتهليل والتكبير , وصُرّح بالصلاة على البشير النذير , واعتدلت بعد انحنائها قامات المناير , وارتفعت بعد خفضها درجات المنابر , وأُخرست النواقيس , ونُطق بالتأذين على رغم أنف إبليس , وخُطّت المساجد والمدارس , ومعّرت بأوقات الخيرات بعد ما كانت دوارس , ونَطَقَت خطباء الإسلام , فسكتت القساوسة اللئام , ونَصَب الدين المحمدى بها خيامه , ورفع الشرع الأحمدى على قُللها أعلامه , وبُدلت من الإنجيل بالقرآن , وعُوّضت من الرهبان بعلماء الإيمان , فأصبحت شموس الدين بأفاقها مشرقة , وسحب اليقين بروضاتها مغدقة
جامع السليمانية عند الغروب
ولعمرى إنها لمدينة العمران , والمشار اليها دون سائر البلدان , إذ هى تخت الملك الأعظم , ومقر المجد المعظم وموفد الوفود , ومنبع الكرم والجود , وبها العمارات العظيمة , ذوات الصدقات الجسيمة , والمبرّات العميمة , والقصور المنيفة , والمتنزهات اللطيفة , والرياض النضرة , والمروج الخضرة , فهى نزهة النفوس , ومسرّة العبوس , وبُهجة الخواطر , وقُرّة النواظر , وبها من الآثار العجيبة , والأبينة الغريبة , ما تذهل له الألباب , ويستولى عليها منه العجب العجاب , وبها من الأئمة الأعلام , وقضاة الإسلام , ما يتحمل به الزمان , ويفتخر بمجده العصر والأوان , إذ كلٌ منهم علّامة العصر , وفرد الدهر , وعالم الوقت , والمبرّأ من الشٍّين والمقْت , وبحر العلوم , ومالك أزمّة المنطوق والمفهوم , ونُعمان (أبو حنيفة) زمانه , وأبو يوسف (ابو يوسف القاضى) أوانه , وكنز الطالبين , وهداية الراغبين , ومختار الحق , واختيار الغرب والشرق , ومجمع الفضائل , ونُقاية الأماثل , وصدر الشريعة , ذو الفنون البديعة , دام فخرهم , وسما قدرهم , ولا برح نير سُعدهم مشرقا في الأكوان , والانتفاع ببركتهم , وبركة علومهم دائما مدى الأزمان , فكل فرد منهم نيّر قطرها الأعظم , ورئيس مجدها المكرم , تفتخر به على سائر الأمصار , وتسمو به عصره على غابر الأعصار , فهى الآن مصر الدنيا , والمنفردة بالمرتبة العليا , جعلها الله دار الإسلام والإيمان , ومحل الأمنية والأمان , ومقر الدولة والسلطان....) أ. هـ
قطوف من سيرة السلطان سليمان القانونى رحمه الله: