والفقه لغة الفهم، واصطلاحا العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من الأدلة التفصيلية، فقولنا: العلم جنس، وقولنا: بالأحكام قيد خرج به العلم بالذات والصفات والأفعال، فلا يسمى فقها، والمراد بالأحكام النسب التامة التي هي ثبوت أمر لآخر إيجابًا أو سلبًا، وقولنا: الشرعية معناه أن تلك الأحكام لابد أن تكون مأخوذة من الشرع بالتصريح أو بالاستنباط، فخرجت الأحكام العقلية ضرورية كانت كالحكم بأن الواحد نصف الاثنين، أو نظرية كالحكم بأن الأثر لابد له من مؤثِّر، والحسية كالحكم بأن الجدار طوب وحجر، وخرجت الأحكام العادية كالحكم بأن النار محرقة، فلا يسمى العلم من هذه فقهًا.
وقولنا: العملية، معناه أن الأحكام الشرعية لابد أن تكون متعلقة بكيفية عمل قلبي، كالعلم بوجوب النية في الوضوء، أو بدني كالعلم بسنية الوتر، فخرجت الأحكام الشرعية الاعتقادية أي التي لم تتعلق بكيفية عمل، كالعلم بأن الله واحد، وأنه يجب له الكمال، ويستحيل عليه النقص، فلا يسمى العلم بذلك فقهًا.
وقولنا المكتسب معناه: أن العلم بالأحكام الشرعية العملية لابد أن يكون مكتسبًا، أي مأخوذًا بالنظر والتأمل وإعمال الفكر في الأدلة الشرعية ليخرج علم الله وعلم كل نبي ملك فلا يسمى فقهًا لأنه ليس مكتسبًا.
وقولنا: من الأدلة التفصيلية، أي الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، أي مكتسبًا من النظر فيها والاستنباط منها، فيخرج علم المقلدين الخلص أي الذين ليس لهم إلا حفظ فروع المذهب وضبطها كجلّ علماء عصرنا، فلا يسمى علمهم بذلك فقها، بل يسمى نقلًا ورواية، إذ لم يكتسبوا تلك الفروع بالنظر في الأدلة التفصيلية، وإنما اكتسبوا بالنقل والرواية من بطون الكتب المعتمدة، فليس لهم فيها إلا مجرد نقلها للناس وروايتها وحفظها، ولا حجة لهم على كونها أحكاما شرعية إلا منقولة بالتواتر عن المجتهدين الذين استخرجوها بالنظر والاستنباط من الأدلة التفصيلية التي هي الكتاب والسنة.