إني رأيتهم في كل منزلةٍ * * * أجل فقدًا من اللائي أحبوني
ثانيا: الحسد المحمود:
المقصود بالحسد المحمود هو أن يرى الإنسان نعمة على غيره، فيتمنى أن يكون له مثلها دون أن يكرهها أو يتمنى زوالها عن ذلك الغير. (النهاية لابن الأثير جـ 1 صـ 383) .
وهذا الذي قال عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - كما عند البخاري:"لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثلما أوتى فلان، فعملت مثل ما يعمل، ورجل أتاه الله مالًا فهو يهلكه في الحق، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتى فلان فعملت مثل ما يعمل" (البخاري حديث 5026)
ويسمى هذا النوع من الحسد المحمود بالغبطة أو المنافسة، ومن المعلوم أن المنافسة في عمل الخيرات وطلب الآخرة أمر حثنا عليه الله في كتابه والنبي - صلى الله عليه وسلم - في سنته المطهرة ,قال تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} (الحديد: 21) ,وقال سبحانه: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} (المطففين: 26) ,روى أبو داود عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نتصدق، فوافق ذلك مالًا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا، قال: فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ما أبقيت لأهلك؟"قلت: مثله. وأتي أبو بكر بكل ما عنده. فقال:"يا أبا بكر، ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله. قلت: والله لا أسابقك إلى شيء أبدًا" (صحيح أبي داود للألباني حديث 1472) .
يقول عمر - رضي الله عنه - هذا الكلام وليس في قلبه شيء؛ لأن المؤمن التقى النقي هو الذي لا يحسد أحدًا أبدًا على ما أعطاه ربنا المعبود في هذا الوجود، فالمؤمن يغبط ومَنْ في إيمانه خلل يحسد.
وقد أثنى الله - عز وجل - على الأنصار لأنهم لا يحسدون أحدًا على نعمة أنعم الله بها عليه فقال تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الحشر: 9)