ثم ألقي في الزيت و انقطع صوته عنها و غيّب في القدر مع أخوته ... مات ... و في فمه بقايا من حليبها، و في يده شعره من شعراتها ، و على أثوابه قطرات من دموعها .. ذهب الأولاد الخمسة .. وهاهي عظامهم يلوح بها القدر و لحمهم يفور به الزيت ، تنظر المسكينة إلى هذه العظام .. إنها عظام أولادها ، اللذين طالما ملؤو عليها البيت ضحكا و سرورا .. إنهم فلذات كبدها .. و عصارة قلبها اللذين لما فارقوها ، كأن قلبها قد أخرج من صدرها .. طالما ركضوا إليها ، و ارتموا بن يديها ، طالما ضمتهم إلى صدرها و ألبستهم ثيابهم بيدها و مسحت دموعهم بأصابعها .. ثم هاهم اليوم ينتزعون من بين يديها و يقتلون أمام ناظريها .. كانت تستطيع أن تحول بينهم و بين العذاب بكلمة كفر تسمعها فرعون ، لكنها علمت أن ما عند الله خير و أبقى ... ثم لم يبقى إلى هي .. أقبل عليها الجنود ثم دفعوها إلى القدر فلما حملوها ليلقوها بالزيت نظرت إلى عظام أولادها .. فتذكرت اجتماعها معهم في الحياة فالتفتت إلى فرعون و قالت: لي إليك حاجه ثم صاح بها و قال ما حاجتك فقالت أن تجمعوا عظامي و عظام أولادي فتدفنوها ف قبر واحد .. ثم أغمضت عينيها و ألقيت في القدر مع أولادها و احترق جسدها و طفت عظامها .
فلله درها ما أعظم ثباتها و أكثر ثوابها ، و لقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء شيئا من نعيمها فحدث به أصحابه فقال لهم فيما رواه البيهقي: (( لما أسرى بي مرت بي رائحة طيبه فقلت ما هذه الرائحة فقيل لي هذه ماشطة بنت فرعون و أولادها ) ).
ماذا استفدنا من هذه القصة ؟
أي ثبات هذا ؟
ما هي درجة هذا الأيمان الذي جعلها تثبت على أن لا تبدل دينها؟
أي نوع من أنواع الصبر هذا؟