المتكلم في هذا المقام تأديب الولد، لأن المقصود مختص به، ولعله إذا فرغ من الوصية على الولد لاهتمامي به، ولا يقول عاقل: إن كلامه الثاني مناقض للأول، وكذلك قرابته عليه السلام هم أولى الناس ببره عليه السلام وإحسانه، وإنقاذه من المهلكات، فخصهم بالذكر لذلك، لا أن غيرهم غير مراد كما ذكرنا في صورة الولد والعبد.
وبالجملة فهذه الألفاظ ألفاظ لغتنا، ونحن أعلم بها وإذا كان عليه السلام هو المتكلم بها ولم يفهم
تخصيص الرسالة، ولا إرادته، بل أنذر الروم والفرس وسائر الأمم، والعرب لم تفهم ذلك وأعداؤه من أهل زمانه لم يدعوا ذلك، ولا فهموه، ولو فهموه لأقاموا به الحجة عليه، ونحن أيضا لم نفهم ذلك.
2 -ومنها أنهم قالوا: أن القرآن الكريم ورد بتعظيم عيسى عليه السلام، وبتعظيم أمه مريم رضي الله عنها، وهذا هو رأينا واعتقادنا فيها، فالدينان واحد، فلا ينكر المسلمون علينا.
والجواب من وجوه أحدها: تعظيمهما لا نزاع فيه، ولم يكفر النصارى بالتعظيم، إنما كفروا بنسبة أمور أخرى إليها لا يليق بجلال الربوبية، ولا بدناءة البشرية من الأبوة والبنوة والحلول، والإلحاد، واتخاذ الصاحبة والأولاد تعالى الله عما يقول الكافرون علوا كبيرا، فهذه مغالطة في قوله (موافق لاعتقادنا) ، ليس هذا هو الاعتقاد المتنازع فيه، نعم لو ورد القرآن الكريم بهذه الأمور الفاسدة المتقدم ذكرها وحاشاه كان موافقا لاعتقادهم، فأين أحد البابين من الآخر؟؟
وثانيها أنه اعترف بأن القرآن الكريم ورد بما يعتقد أنه حق، فإن الباطل لا يؤكد الحق، بل المؤكد للحق حق جزما، فيكون القرآن الكريم حقا قطعا، وهذا هو سبب إسلام كثير من أحبار اليهود ورهبان النصارى، وهو أنهم اختبروا ما جاء به عليه السلام، فوجدوه موافقا لما كانوا يعتقدونه من الحق، فجزموا بأنه حق وأسلموا واتبعوه، وما زال العقلاء على ذلك يعتبرون كلام المتكلم، فإن وجدوه على وفق ما يعتقدونه من الحق اتبعوه، وإلا رفضوه.
وثالثها أن هذا برهان قاطع على رجحان الإسلام على سائر الملل والأديان، فإن مشتعل على تعظيم جملة الرسل وجميع الكتب المنزلة، فالمسلم على أمان من جميع الأنبياء عليهم السلام على كل تقدير، أما النصراني فليس على أمان من تكذيب محمد -صلى الله عليه وسلم-، فتعين رجحان الإسلام على غيره، ولو سلمنا تحرير صحة ما يقوله النصراني