بيّنا في مطلع هذا البحث أن نظريات تأثر القرآن بالأناجيل تقوم على مقدمتين، حللنا الأولى منهما، ويبقى علينا تحليل المقدمة الثانية، أي: وجود النصرانية في الحيز المحمدي حتى يتسنى الحكم بالتأثير والتأثر؛ لأن مقتضى التأثر هو اعتراف بوجود تفاعل تاريخي بينهما في إطار ظرف تاريخ معين، تبلورت فيه عملية التأثر والتأثير، ولن يكون لمعطيات المقارنة بين الأناجيل والقرآن دلالة تأثير وتأثر ما لم يثبت التفاعل التاريخي، إذ التشابه لا يعني بالضرورة النقل والانتحال والتأثر، فقد يكون له مصدر آخر.
ولقد شغلت دراسات كثيرة بدراسة هذه المقدمة وتتبع دلائلها بما يثبت الوجود النصراني في الحيز المحمدي، ويحلل طبيعة التفكير الديني الجاهلي وديانات العرب قبل الإسلام وعلاقتها بالأفكار النصرانية الرسمية والبدعية، ثم تحليل كيفيات التأثر والتأثير المحتملة في جناب المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ الأمر الذي يمهد لفحص تاريخية النص القرآني والكشف عن علاقات التأثير والتأثر (1) .
تبين الدراسات الناقدة أن الجزيرة العربية كانت ملتقى الأديان الوثنية والسماوية، عرفت عبادة الأوثان والأصنام الأنصاب، ومن أشهرها ودّ، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، واللات، والعزى، ومناة، وهبل، كما عبدوا الكواكب والنجوم بأشكالها المتعددة، كالشمس، والقمر، والزهرة، وعطارد، والثريا، وغيرها (2) .
(2) جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج6/ ص586-587.