موعظة
قال بعض العلماء: اعلم أن الذي يقضى منه العجب من حال الإنسان في غفلته عن الاهتمام بأمر الموت، وفي عدم الروعة منه مع تيقن أنه لا بد له منه وأنه في حال السعي إليه لا يفتر عن ذلك لحظة.
وقال بعض العلماء: ما رأيت يقينا لا شك معه أشبه بالشك الذي لا يقين معه مثل الموت، وما هكذا حال كامل العقل والتمييز.
عن ابن عباس أنه قرأ {فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا} فبكى وقال: آخر العدد خروج نفسك، آخر العدد فراق أهلك، آخر العدد دخول قبرك.
وعن ابن السماك وقد قرأها: إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد فما أسرع ما تنفذ.
ومَاَ نَفَسٌّ إلاَّ يُبَاعِدُ مَوْلِدًا ... ويُدْنِي الْمَنَايَا لِلنُفُوْسِ فَتَقْرُبُ
يقال: إن أنفاس ابن آدم بين اليوم والليلة أربعة وعشرون ألف نفس «24000» في اليوم اثنى عشر ألفًا وفي الليل اثنى عشر ألفًا.
والسبب في جميع ذلك أي عدم الاهتمام بأمر الموت وعدم الروعة منه وما بعده وحب الهوى وطول الأمل وقيل: السبب تركيب الإنسان تركيبًا يحتاج فيه إلى دفع المضار العاجلة قبل حضور وقت المشار الآجلة.
فهو في العاجلة يدفع مضار الجوع والعطش والحر والبرد والخوف والسقم والغم والإهانة والاستخفاف والشماتة ونحوها من الأحوال ألا ترى تجرعه غصص الموت أهون من تجرعها فيهون الاهتمام به بالنظر إلى الاهتمام بها.
وقد أثر عنه - صلى الله عليه وسلم - إن أشق من الموت ما يتمنى الموت من أجله فلذلك هان في قلبه هم ما يعلمه مما يصير إليه في المستقبل من ضرر الموت.
والأقرب، والله أعلم أن السبب الحقيقي هو سلب الله تعالى للخواطر المنصرفة إلى ذكر الموت، وتصور حقيقة أمره، وسلب الدواعي إلى الاشتغال به، لما في ذلك من اعتماد الدنيا وانتظام أمرها الذي هو مقصود للحكيم.
ولو أن الناس نزلوا أمر الموت منزلته اللائقة به لاقتضى ذلك أن تخرب الدنيا ولا تعمر، ولكان