أسيرًا، ويصبح ولدك العزيز بعدك يتيمًا، ويقسم مالك وارثُك عدوًا كان أو رحيمًا، ويفترق عيالك ظاعنًا ومقيمًا. وتقول يا ليتني كنت مع الشهداء فأفوز فوزًا عظيمًا، فيقال لك هيهات هيهات، فات ما فات، وعظمت الحسرات، وخلوت بما قدمت من حسنات أو سيئات، ألا واسمع قول الله العزيز الغفور محذرًا لك ما أنت فيه من الغرور: (يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يومًا لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئًا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور) (لقمان: 33) .
هذا وإن كان ولدك من السعداء، فستجمع بينك وبينه الجنان، وإن كان من الأشقياء، فليكن من الآن لا يجتمع أهل الجنة مع أهل النار، ولا الأخيار مع الأشرار، ولعل الله يرزقك الشهادة فتشفع فيه، وتكون بفراقك له ساعيًا في أن تنجيه، إحرص على ما ينجيك من العذاب، واجهد فيه، فغدًا: (يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرءٍ منهم يومئذ شأنٌ يغنيه) (عبس: 34 - 37) إن هذا لهو البيان العظيم: (والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) (البقرة: 213) .
وإن قلت: يشق عليَّ فراق الأخ والقريب، والصديق والحبيب، فكأنك بالقيامة وقد قامت على الخلق أجمعين: (الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين) (الزخرف: 67) ، فإن كانت الصداقة لله فستجمع بينكما عليون، في نعيم أنتم فيه خالدون، وإن كانت الصحبة لغير الله، فالفراق الفراق، قبل أن يحشر الرفاق مع الرفاق، لأن المرء في الآخرة مع محبوبه، لمشاركته إياه في مطلوبه، فإن كان من الأتقياء نفعه أخاه، وإن كان من الأشقياء ضره وأرداه، مع ما يتوقع في هذه الدار من الأقرباء والأصدقاء من الجفاء، والصدّ وقلة الوفاء، وكثرة الكدر وعدم الصفاء، وتغيرهم لديك، وتلونهم عليك، وإساءتهم إليك، وهجرهم إياك عند فوات الأغراض، وما تجُنُّه قلوبهم من العلل والأمراض، إن وقعت في شدة تخلُّو عنك، أو واقعت زلة تبرؤوا منك، إخوان السراء وأعداء الضراء، صداقتهم مقرونة بالغنا، وصحبتهم مشحونة بالعناء، إن قلَّ مالُك ملُّوك وإن حال حالك فما أخوك أخوك، وإن شككت في شيء من هذا البيان، فسيظهر لك يقينًا عند الإمتحان، وإن ظفرت يدك منهم بأخ من إخوان الصفا! وأين ذاك، أو خِل من خِلاّن الوفا وما أُراك، فأنتما غدًا كما قال أصدق القائلين: (ونزعنا ما في صدورهم من غِلٍ إخوانًا على سرر متقابلين) (الحجر: 47) .
ولا يقعدك يا هذا عن الجهاد حبيب أو قريب، فربما افترقتما قبل المغيب، ففاتك الثواب العظيم، وبان عنك الصديق الحميم، وحرمت ما ترومه من الدرجات، وندمت فلم يغنك الندم على ما فات.
وفي الحديث: إن جبريل عليه السلام قال للنبي يا محمد إن الله يقول لك: عش ما شئت فإنك ميت وأحبب من شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك مجزي به.
فانظر ما اشتملت عليه هذه الكلمات اليسيرة من ذكر الموت وفراق الأحبة والجزاء على الأعمال أبعد هذا الإنذار إنذار (إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار) (آل عمران: 13) .
وإن قلت: يقعدني منصبي وجاهي الرفيع، وعزي وحجابي المنيع، فليت شعري كم فارق منصبك، محبًا له إلى أن وصل إليك، وكم زال ظله من مُغبِط نفسه به إلى أن ظلل عليك، وسيبين عنك كما عنهم بان،