ولنفسح المجال لإمامنا الجليل ابن القيم ـ رحمة الله عليه ـ ليجيبنا عن هذا السؤال قائلًا:"وسر الخلق والأمر ، والكتب والشرائع ، والثواب والعقاب: انتهى إلى هاتين الكلمتين ?إياك نعبد وإياك نستعين?."
والعبادة تجمع أصلين: غاية الحب .. بغاية الذل والخضوع فمن أ حببته ولم تكن خاضعا له .. لم تكن عابدا له .. ومن خضعت له بلا محبة لم تكن عابدا له .. حتى تكون محبا خاضعا .
والاستعانة تجمع أصلين: الثقة بالله . والاعتماد عليه ، فإن العبد قد يثق بالواحد من الناس ولا يعتمد عليه في أموره ـ مع ثقته به ـ لاستغنائه عنه ، وقد يعتمد عليه مع عدم ثقته به لحاجته إليه، ولعدم من يقوم مقامه . . فيحتاج إلى اعتماده عليه مع أنه غير واثق به .
وهذان الأصلان ـ وهما التوكل والعبادة ـ قد ذكرا في القرآن الكريم في عدة مواضع، قرن بينهما فيها .. أحدهما: ?إياك نعبد وإياك نستعين? والثاني: قول شعيب عليه السلام ?وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب? ، والثالث: ?ولله غيب السموات والأرض وإليه يُرجَع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه? وغيرها كثير"1 ."
فمن هنا نعلم أ ن التوكل على الله يشكل نصف الدين الثاني بعد نصفه الأول وهو العبادة .
ولقد حاولت أن يكون أسلوب الكتابة في الرسالة سهلا ليستفيد منه العامة والخاصة .. وإن كنت قد توجهت به ـ أصلا ـ إلى الذين حملوا على عاتقهم تبليغ دعوة الله إلى خلقه .. والجهاد في سبيل نصرة دينه وإصلاح أرضه .. فما أصعب ذلك الطريق وما أطوله .. وما أكثر ما يحتاج فيه المرء إلى الزاد .. وهذا التوكل على الله هو خير زاد .. يريح العبد من كل عناء لقلبه.. وكيف لا يستريح وهو يشعر أن معه قوة جبارة تملك الكون وتسيره .. فلا يخرج عن سيطرتها شيء ولا يعجزها في الأرض ولا في السماء شيء؟!!