يعتبر في شيء من الأحكام، لا في القصاص، ولا في الكفارة، ولا في الإرث، ولا في العتق، ولا في غيرها، فلا يعلّل بهما حكم أصلًا، أو في بعض الأحكام كالذكورة والأنوثة، فإنَّهما لم يعتبرا في العتق، فلا يعلّل بهما شيء من أحكامه، وإنْ اعتبر في غيره كالشهادة، والقضاء، وولاية النكاح، والإرث [1] .
الوجه الثالث: أنْ لا تظهر مناسبة الوصف المحذوف بعد البحث عنها، ولا يجب ظهور عدم المناسبة بدليل؛ بل يكفي قول المستدل: بحثت في الوصف المحذوف فلم أجد له مناسبة، وكان أهلًا للنظر والبحث عدلًا، فالظاهر صدقه، ويلزم من ذلك حذف الوصف.
كأنْ يقول المستدل: العلّة في حرمة الخمر إمَّا الإسكار أو كونه ماء العنب. وغير الإسكار لا يكون علّة بالطريق الذي يفيد إبطال علّة الوصف، فتعيّن الإسكار للعلّة.
فإنْ ادّعى المعترض أنَّ الباقي كذلك، فلو أوجبنا على المستدل بيان المناسبة خرج عن السَّبر وصار"إخالة" [2] ، ولا طريق للتحكُّم، فلزم القول بالتعارض، والمصير إلى الترجيح. ثم للمستدل أنْ يرجح سبره بموافقته لتعدية الحكم، وموافقة سبر المعترض لعدمها، والتعدية أوْلَى ليعم الحكم وتكثر الفائدة.
وهذا الوجه قال به بعض الشافعيّة، واختاره الآمدي وابن الحاجب، ولم يعتبره ابن قدامة، إذ يعارضه الخصم بمثله في وصفه، ولا يكفيه نقضه لاحتمال كونه جزء علّة أو شرطًا فيها [3] .
الخامس: اشترط بعض الأصوليين أنْ يبيّن المستدل كيفيّة السَّبر:
ليكون مؤسسًا دليلًا، غير مقتصر على مجرّد الحكاية مدعيًا استيعاب جميع الأقسام.
قال الغزالي في"المنخول":"وقد اختلفوا في مسألة جدليّة، وهو أنَّ المستدل لو قال: سبرت، هل يلزمه إبداء كيفيّة السَّبر؟ فمنهم مَنْ قال: لا؛"
(1) شرح العضد لمختصر ابن الحاجب، 2/ 238، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي، 3/ 66.
(2) الإخالة: هي المناسبة، وتُسمَّى"إخالة"؛ لأنَّه بالنظر إلى الوصف يخال أنَّه علّة، أي يظنّ ذلك. انظر: نهاية السول: للإسنوي، 3/ 50، ومختصر ابن الحاجب، 2/ 239، وإرشاد الفحول، ص 214.
(3) الإحكام: للآمدي، 3/ 66 - 67، وشرح العضد لمختصر ابن الحاجب، 2/ 237 - 238، والتعريفات للجرجاني، ص 62، وشرح المحلى على جمع الجوامع، 2/ 272.