وقد حكى ابن عبد البر في التمهيد عن قومٍ الذي ذكرتُه في الإرسال أنه تدليس ، فجعلوا التدليس أن يحدّث الرجل عن الرجل بما لم يسمعه عنه بلفظ لا يقتضي تصريحا بالسماع وإلا لكان كذابا ، والصحيح الأول ، وهو الفرق بين التدليس والإرسال . والله أعلم .
ولفظ ابن عبد البر في تمهيده هو كما يلي:
قال الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري الأندلسي المتوفى سنة 463 هـ في مقدمة التمهيد:
والتدليس أن يحدث الرجل عن الرجل قد لقيه وأدرك زمانه وأخذ عنه وسمع منه وحدث عنه بما لم يسمعه منه ، وإنما سمعه من غيره ممن ترضى حاله أو لا ترضى ، على أن الأغلب في ذلك أن لو كانت حاله مَرضيّة لذكره ، وقد يكون لأنه استصغره .
واختلفوا في حديث الرجل عمن لم يلقه مثل مالك عن سعيد بن المسيب ، والثوري عن إبراهيم النخعي ، وما أشبه هذا ، فقالت فرقة: هذا تدليس لأنهما لو شاءا لسميا من حدثهما كما فعلا في الكثير مما بلغهما عنهما ، قالوا: وسكوت المحدث عن ذكر من حدثه مع علمه به دلسة ، قال أبو عمر: فإن كان هذا تدليسا فما أعلم أحدا من العلماء سلم منه في قديم الدهر ولا في حديثه ، اللهم إلا شعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان ، فإن هذين ليس يوجد لهما شيء من هذا ، لا سيما شعبة ، فهو القائل: لأن أزني أحب إلي من أن أدلس .
وقالت طائفة من أهل الحديث: ليس ما ذكرنا يجري عليه لقب التدليس وإنما هو إرسال ، قالوا: وكما جاز أن يرسل سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وهو لم يسمع منهما ولم يسم أحد من أهل العلم ذلك تدليسا ، كذلك مالك عن سعيد بن المسيب .