العبد من حين استقرت قدمه في هذه الدار فهو مسافر فيها إلى ربه، ومدة سفره هي عمره والأيام والليالي مراحل فلا يزال يطويها حتى ينتهي السفر، فالكيس لا يزال مهتمًا بقطع المراحل فيما يقربه من الله ليجد ما قدم محضرًا ثم الناس منقسمون إلى أقسام منهم من قطعها متزودًا ما يقربه إلى دار الشقاء من الكفر وأنواع المعاصي ومنهم من قطعوها سائرين فيها إلى الله وإلى دار السلام وهم ثلاثة أقسام: سابقون أدوا الفرائض وأكثروا من النوافل بأنواعها وتركوا المحارم والمكروهات وفضول المباحات، ومقتصدون أدوا الفرائض وتركوا المحارم، ومنهم الظالم لنفسه الذي خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا وهم في ذلك متفاوتون تفاوتًا عظيمًا (1) .
14-أحكام المغالبات
المغالبات ثلاثة أقسام:
الأول: محبوب مرضي لله ورسوله معين على محابه كالسباق بالخيل والإبل والسهام فهذا يشرع مفردًا عن الرهن ويشرع فيه كل ما كان ادعى إلى تحصيله فيشرع فيه بذل الرهن من هذا وحده ومنهما معًا ولم يكن فيه محلل على الصحيح، ومن الأجنبي، وأكل المال به أكل بحق ليس أكلًا بباطل، وليس من القمار والميسر في شيء.
والنوع الثاني: مبغوض مسخوط لله ورسوله موصل إلى ما يكرهه الله ورسوله كسائر المغالبات التي توقع العداوة والبغضاء وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة كالنرد والشطرنج وما أشبهها، فهذا محرم لوحده ومع الرهان. وأكل المال به ميسر وقمار كيف كان سواء من أحدهما أو من كليهما أو من ثالث، وهذا باتفاق من المسلمين. فأما إن خلا عن الرهان فهذا حرام عند الجمهور.
الثالث: ليس بمحبوب لله ولا مسخوط له بل هو مباح لعدم المضرة الراجحة كالسباق على الأقدام والسباحة وشيل الأحجار والصراع ونحو ذلك فهذا النوع يجوز بلا عوض، وأما مع العوض فلا يحل لأن تجويز أكل المال به ذريعة إلى إشغال النفوس به واتخاذه مكسبًا لاسيما وهو من اللهو واللعب الخفيف على النفوس فتشتد رغبتها فيه من الوجهين فأبيح بنفسه لأنه إعانة وإجمام للنفس وراحة لها وحرم أكل المال به لئلا يتخذ صناعة ومتجرًا فهذا من حكمة الشريعة ونظرها في المصالح والمفاسد ومقاديرها.
(1) المصدر السابق ص 223 - 226.