فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 19

وتأمل في حكاية أخرى، وهي: أن حاتم الأصمّ كان من أصحاب شقيق البلخي رحمة الله تعالى عليهما، فسأله يوما قال: صاحبتني منذ ثلاثين سنة ما حصّلت؟

قال: حصّلت ثماني فوائد من العلم، وهي تكفيني منه لأني أرجو خلاصي ونجاتي فيها.

فقال شفيق: ما هي؟

قال حاتم:

الفائدة الأولى: إني نظرت الى الخلق فرأيت لكل منهم محبوبا ومعشوقا يحبه ويعشقه، وبعض ذلك المحبوب يصاحبه الى مرض الموت وبعضه يصاحبه الى شفير القبر، ثم يرجع كله، ويتركه فريدا وحيدا، ولا يدخل معه في قبره منهم أحد.

فتفكرت وقلت: أفضل محبوب المرء ما يدخل معه في قبره، ويؤنسه فيه، فما وجدته غير الأعمال الصالحة، فأخذتها محبوبة لي؛ لتكون لي سراجا في قبري، وتؤنسني فيه، ولا تتركني فريدا.

الفائدة الثانية: أني رأيت الخلق يقتدون أهواءهم، ويبادرون الى مرادات أنفسهم، فتأملت قوله تعالى: { وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى* فإن الجنة هي المأوى} النازعات 40 - 41. وتيقنت أن القرآن حق صادق فبادرت الى خلاف نفسي وتشمّرت بمجاهدتها، وما متعتها بهواها، حتى ارتاضت بطاعة الله تعالى وانقادت.

الفائدة الثالثة: أني رأيت كل واحد من الناس يسعى في جميع حطام الدنيا، ثم يمسكه قابضا يده عليه فتأملت في قوله تعلى: { ما عندكم ينفد وما عند الله باق} فبذلت محصولي من الدنيا لوجه الله تعالى ففرّقته بين المساكين ليكون ذخرا لي عند الله تعالى.

الفائدة الرابعة: أني رأيت بعض الخلق يظن أن شرفه وعزه في كثرة الأقوام والعشائر فأعتز بهم.

وزعم آخرون أنه في ثروة الأموال وكثرة الأولاد، فافتخروا بها.

وحسب بعضهم أن العز والشرف في غصب أموال الناس وظلمهم وسفك دمائهم.

واعتقدت طائفة أنه في إتلاف المال وإسرافه، وتبذيره، فتأملت في قوله تعالى: { إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم} ، فاخترت التقوى، واعتقدت أن القرآن حق صادق، وظنهم وحسبانهم كلها باطل زائل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت