الصفحة 212 من 224

قَالَ: فَتَكَاثَرَتِ الْفُرْسُ عَلَى الْعَرَبِ حَتَّى كَادُوا أَنْ يُنَحُّوهُمْ عَنْهَا. وَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَاغْتَمَّ لِذَلِكَ وَلَمْ يَدْرِ مَا يَصْنَعُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، عِنْدِي رَأْيٌ أُشِيرُ بِهِ عَلَيْكَ) ، قَالَ: (وَمَا ذَلِكَ يَا أَبَا حَفْصٍ) ، قَالَ: (هَذَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَدْ فَتَحَ اللَّهُ الْيَمَامَةَ عَلَى يَدِهِ، وَهُوَ مُقِيمٌ بِهَا، مُصَاهِرٌ لِبَنِي حَنِيفَةَ، فَاكْتُبْ إِلَيْهِ وَمُرْهُ بِالْمَسِيرِ إِلَى الْعِرَاقِ حَتَّى يَطَأَ لَكَ الْفُرْسَ بِخَيْلِهِ وَرَجْلِهِ مَعَ الْمُثَنَّى بْنِ الْحَارِثَةِ وَأَصْحَابِهِ، فَلَعَلَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَكْفِيكَ بِهِ أَمْرَ الْفُرْسِ) . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (هَذَا لَعَمْرِي رَأْيٌ) .

قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عثمان خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وَسَلَّمَ، إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، أَمَّا بَعْدُ، فَالْحَمْدُ للَّه الَّذِي أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَصَدَقَ عَبْدَهُ، وَأَعَزَّ أَوْلِيَاءَهُ، وَأَذَلَّ أَعْدَاءَهُ، وَأَظْهَرَ دِينَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، وَقَدْ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَعْدًا لا خُلْفَ فِيهِ، وَقَوْلا لا رَيْبَ فِيهِ، وَقَدْ فَرَضَ الْجِهَادَ عَلَى عِبَادِهِ فَرْضًا مَفْرُوضًا، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى [1] أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَالله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ 2: 216 [2] . وَقَدْ أَخْبَرَنَا الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عليه وآله وَسَلَّمَ:

(أَنَّ الشُّهَدَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُحْشَرُونَ وَسُيُوفُهُمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ، وَأَوْدَاجُهُمْ تَشْخُبُ دَمًا، فَلا يَتَمَنَّوْنَ عَلَى اللَّهِ شَيْئًا إِلا أَعْطَاهُمْ إِيَّاهُ حَتَّى يُوَفَّوْا أَمَانِيهِمْ، وَمَا لَمْ يَخْطُرْ عَلَى قُلُوبِهِمْ، فَمَا مِنْ شَيْءٍ يَتَمَنَّاهُ الشُّهَدَاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْدَ دُخُولِ الْجَنَّةِ إِلا أَنْ يُرَدُّوا إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْرَضُوا بِالْمَقَارِيضِ فِي ذَاتِ اللَّهِ، لِعِلْمِهِمْ ثَوَابَ اللَّهِ) [3] ، فَثِقُوا عِبَادَ اللَّهِ بِمَوْعُودِ اللَّهِ وَأَطِيعُوهُ فِيمَا فَرَضَ عَلَيْكُمْ، وَارْغَبُوا فِي الْجِهَادِ رَحِمَكُمُ الله، وإن [42 ب] عظمت فيه المؤونة، وبعدت فيه الشقة، وفجعتم فيه بالأموال/ والأنفس

[1] في الأصل: (فعسى) وهو خطأ.

[2] [البقرة: 216] .

[3] الحديث في باب ما يتمنى الشهيد من الرجعة إلى الدنيا، البخاري: جهاد 6، 21، مسلم:

إمارة 108، 109.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت