هناك شئ نفعله حينما يبلغ بنا الشعور بالمرارة والمهانة أقصاه ... نبصق على شئ .. صورة المسئول في الجريدة .. مثلا .. أو على الارض بجانبنا ..
وهو أقصى إحتجاج نقدر عليه ..
كنت أريد أن أبصق على خيالي ، الذي يعكسه الزجاج .. على (شكل) الانسان الذي أدعي أنه موجود لدي ..
كنت أهم بأن أفعل ذلك ، لكني خشيت أن تفهم أنها هي المقصودة ..
رفعت راسها ، وأنا مازلت واقفا . كانت عيناها تلمعان من خلف غطاء وجهها . قالت ، وهي ما تزال تفرك كفيها ، لكن بوتيرة أقل:
-الظاهر أن طلبي ما كان في محله ... أو (شكلي) أحرجتك ..
-لا .. ابدا .. نمشي الآن ...
كنت على وشك أن أغلق الباب حين لمحت بقعة دم على ثوبها ، قريبا من موضع الركبة . انقبض قلبي بشدة ، وداهمني خاطر سئ .. وشعور بالغضب ، لم أستطع أن أواريه ، فقلت لها بلهجة جافة .. لا تخلو من إتهام:
-موضي .. من وين الدم هذا ..؟
-انجرحت ركبتي .. يوم طحت من السيارة ..
عيناها مازالتا تلمعان من خلف الغطاء .. معلقتان بوجهي ، الذي ارتسمت عليه علامة استفهام كبيرة .. أحست أن إجابتها لم تقنعني ، وأني لم أصدق كلامها ، فأزاحت عباءتها ، ورفعت ثوبها عن موضع الاصابة ، دون أن تتكلم ، أو ترفع رأسها .
كان جرحا سطحيا ، تيبس الدم حوله . ليس عميقا ، لكنه بدا ، بلونه الداكن ، وتشققاته ، التي أبرزها إهابها الأبيض الرقيق ، مثيرا للألم والشفقة .
أغلقت الباب ، وركبت من الناحية الأخرى . كانت ما تزال مطأطئة راسها ..
أعرف أني جرحت كرامتها ..
كثيرا ما نوقع أذى بهذا الحجم وأكثر ، بالآخرين .. وكثيرا ما يكون ذلك بدافع من الشعور بـ (طهرانية) مبالغ فيها لذواتنا .. والشعور بـ (دنس) الآخر ، وقابليته للخطيئة ، التي تحتاج إلى (مخلص) مثلنا .. لم يقف يوما في صف ، ويسمع ...
"من كان منكم بلا خطيئة .. فليرمها بحجر ..."