كانت تلكم بعض آفات اللسان ، وما يهمنا منها الآن هو آفة الغيبة ، وهي من أكثر الذنوب انتشارًا ، وأعظم الأمراض القلبية فتكًا ، بل أصبحت عادة ذميمة ، وعملًا لئيمًا ، وجريمة أخلاقية منكرة ، لا يلجأ إليها إلا الضعفاء والجبناء ، ولا يستطيعها إلا الأراذل والتافهون ، ولا تنتشر إلا حين يغيب الإيمان ، وهي اعتداء صارخ على الأعراض ، وظلم فادح للأفراد ، وإيذاء ترفضه العقول الحكيمة ، وتمجه الطباع السليمة ، وتأباه النفوس الكريمة ، وهي كبيرة من كبائر الذنوب ، ومرض من أمراض القلوب ، وقد جاء وصفها في كتاب الله بأبشع الصفات ، وأسوأ السجايا والطويات ، قال تعالى:"ولا يغتب بعضكم بعضًا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا فكرهتموه" [ الحجرات 12 ] ، وبعد أن أشرنا إلى بعض الآفات ، نقف وقفة محاسبة ، وتأنيب للنفس ، مع آفة الغيبة ، لنتناولها بالشرح والطرح ، فاستعدوا للتصفح:
حفظ اللسان:
اللسان من نعم الله العظيمة ، وآلائه الجسيمة ، التي تستحق الشكر والعرفان ، لله الواحد المنان ، فباللسان يُترجم ما في العقل من تفكير ، وما في النفس من تعبير ، وهو وسيلة للتفاهم مع الآخرين ، وأداة للتفسير ، فعلى صغر حجمه ، إلا أن جرمه كبير ، وله في الخير مجال رحب ، وفي الشر ذيل سحب ، ومن أرخى له العنان ، وترك له الزمام ، ساقه إلى شفا جرف هار ، وقذفه إلى دار البوار ، وكان ألعوبة في يد الشيطان ، ولا ينجو من شر اللسان إلا من قيده بلجام الشرع ، فلا يطلقه إلا فيما ينفعه في الدنيا والآخرة .
فمن حفظ لسانه أنجاه ، وكان سبيلًا مكسوًا بالزهور إلى الجنة ، ومن أفلته أغواه ، وكان طريقًا مأهولًا بالأشواك إلى النار .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ ، تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ" [ أخرجه الترمذي وابن ماجة ] .