الجواب: ويجاب عن ذلك بأنه ليس المقصود بالمصلحة المرسلة كل ما يبدو للعقل فيدخل في قبيل المصالح المرسلة، وإنما المصلحة المرسلة هي التي يتدبرها ويتوصل إليها من هو أهل لمعرفة الأحكام من مآخذها حتى يثق بأنه لم يرد في الشريعة شاهد على اعتبارها أو إلغائها، وإنما جاءت ملائمة لجنس تصرفات الشارع ومقاصده، ولن يصل إلى ذلك إلا من بلغ رتبة الاجتهاد من العلماء، لذلك اشترط القائلون بالمصلحة المرسلة في الناظر أهلية الاجتهاد، وأن يكون متكيفًا بأخلاق الشريعة مراعيًا لمقاصدها بخلاف العالم بالسياسات إذا كان جاهلًا بأصول الشريعة فإن طبعه يكون بعيدًا عن أخلاق الشريعة، فيفتي بما يخالفها، وما دام قد اشترط القائلون بالمصالح المرسلة في الناظر في أصول الشريعة ومقاصدها، أهلية الاجتهاد، وأن يكون متكيفًا بقواعدها مراعيًا مقاصدها، فلا وجه للقول بأن العمل بالمصالح المرسلة يصير الشريعة فوضى بين ذوي الأهواء، لأن من منع العمل بها لا يمنع المفسدين من الفساد، فإن من فسد ضميره وساء عمله يسلك كل الطرق لبلوغ مآربه وأهوائه، وإنما يؤدي إلى سد باب من أبواب رحمة الله تعالى.
وإن كان من الواجب شرعًا أن لا توكل شؤون الأمة إلا لمن كمل إيمانه وحسن عمله، وبلغ درجة الاجتهاد، كان لزامًا على الأمة أن تكف المفسد عن الفساد، وتولي أمرها من يصلح لذلك.
وفي الحديث أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (( لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم أو لتقصرنه على الحق قصرًا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ) )فيه الهدى والدليل لما يجب أن يكون عليه أولو الأمر.
رابعًا: إن المصالح منقسمة إلى ما عهد من الشارع اعتباره، وإلى ما عهد منه إلغاؤه، وهذا القسم ـ أي: المصالح المرسلة ـ متردد بينهما، فيحتمل إلحاقه بالمصالح