وقد أجمع المؤرخون المسلمون والنصارى العرب والإفرنج فيما وقفت عليه من مصادر على أن الدولة العبيدية وعلى رأسها خليفتها المستعلي ، ووزيره الأفضل ابن بدر الجمالي هم المسؤولون عن ضياع بيت المقدس من أيدي المسلمين ، وسقوطه في أيدي الصليبيين ، وأنهم لم يكونوا حراسًا أمينين للمسجد الأقصى ؛ إذ خانوا المسلمين أكثر من مرة ، وتلقوا أنباء الزحف الصليبي ببرود تام ، مما يعني أن لهم علمًا مسبقًا به ، ثم تخاذلوا في الدفاع عن المسلمين وعن المسجد الأقصى ، وأمنوا أنفسهم وأملاكهم فقط .
أما اليهود ففروا إلى كنيس لهم ، ومن وجده الصليبيون خارج الكنيس أدخلوه فيه ، ثم أحرقوا عليهم كنيسهم ، فماتوا حرقًا إلا عددًا قليلًا استطاعوا الهرب قبل ذلك [21] .
أعمال الصليبيين بعد أخذ المدينة المقدسة:
حققت الحملة الصليبية الهدف الذي سيرت من أجله ، واستطاع الإفرنج أخذ المسجد الأقصى من المسلمين ، ورفع الصلبان فيه ، وتدنيس أرضه المباركة ، وتعطيل الأذان والصلاة التي لم تنقطع فيه مدة تزيد على أربعة قرون ونصف القرن منذ أن فتحه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلحًا عام ( 15ه ) إلى سقوطه في شعبان عام ( 492ه ) ، وأرسل الصليبيون رسالة إلى بابا روما آنذاك يهنئونه بالفتح قائلين:
"إذا ما أردت أن تعلم ما جرى لأعدائنا الذين وجدناهم بالمدينة ، فثق أنه في إيوان سليمان أو معبده كانت خيولنا تخوض في بحر من دماء الشرقيين المتدفقة إلى ركبتيها" [22] .
ولم تصل الرسالة إلى أوربان الثاني مسعر الحملة الصليبية ، ولم يفرح بهذا الإنجاز الصليبي الذي جيش أوربة من أجله ؛ إذ اخترمته المنية قبل سقوط بيت المقدس في أيدي الصليبيين بأسبوعين فقط .