الصفحة 20 من 78

سمع الحديث، وأكثر بنفسه من طلبه، وكتب وخرّج، ونظر في الرجال والطبقات وحصّل ما لم يحصّله غيره، وبرع في تفسير القرآن، وغاص في دقيق معانيه بطبع سيّال، وخاطر إلى مواقع الإشكال ميّال، واستنبط منه أشياء لم يسبق إليها.

وبرع في الحديث وحفظه، فقل من يحفظ ما يحفظه من الحديث معزوًّا إلى أصوله وصحابته، مع شدة استحضاره له وقت إقامة الدليل، وفاق الناس في معرفة الفقه واختلاف المذاهب، وفتاوى الصحابة والتابعين، بحيث إنه إذا أفتى لم يلتزم بمذهب، بل بما يقوم دليله عنده.

وأتقن العربية أصولًا وفروعًا، وتعليلًا واختلافًا، ونظر في العقليات وعرف أقوال المتكلمين، وردّ عليهم، ونبّه على خطئِهم، وحذّر منهم ونصر السنّة بأوضح حجج وأبهر براهين. وأوذي في ذات الله من المخالفين، وأخيف في نصر السنّة المحضة، حتى أعلى الله مناره، وجمع قلوب أهل التقوى على صحبته والدعاء له، وكبت أعداءه، وهدى به رجالًا من أهل المِلَلِ والنِّحَل، وجبل قلوب الملوك والأمراء على الانقياد له غالبًا، وعلى طاعته، وأحيى به الشام بل والإسلام بعد أن كاد ينثلم، بتثبيت أولي الأمر لما أقبل حزب التتر والبغي في خيلائهم، فظنت بالله الظنون، وزلزل المؤمنون، واشرأب النفاق وأبدى صفحته.

ومحاسنه كثيرة، وهو أكبر من أن ينبّه على سيرته مثلي، فلو حلفت بين الركن والمقام لحلفت: إني ما رأيت بعينيّ مثله، وأنّه ما رأى مثل نفسه».

ثم نقل عن كتاب للذهبي سمّاه (التاريخ الكبير) قال فيه: «وله خبرة تامة بالرجال، وجرحهم وتعديلهم، وطبقاتهم ومعرفة بفنون الحديث، وبالعالي والنازل، والصحيح والسقيم مع حفظه لمتونه الذي انفرد به، فلا يبلغ أحد في العصر رتبته، ولا يقاربه، وهو عجيب في استحضاره، واستخراج الحجج منه، إليه المنتهى في عَزْوِه إلى الكتب الستة والمسند، بحيث يصْدق عليه أن يقال: كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث» (1) .

ونقل عنه قوله: « .. وغالب حطه على الفضلاء والمتزهدة فبحق، وفي بعضه هو مجتهد، ومذهبه توسعة العذر للخلق، ولا يكفّر أحدًا إلا بعد قيام الحجّة عليه» .

وقال: «ولقد نصر السنّة المحضة، والطريقة السلفية، واحتجّ لها ببراهين ومقدمات، وأمور لم يُسبق إليها، وأطلق عبارات أحجم عنها الأوّلون والآخرون وهابوا، وجَسَر هو عليها، حتى قام عليه خلق من علماء مصر والشام قيامًا لا مزيد عليه، وبدعوه وناظروه وكابروه، وهو ثابت لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت