الصفحة 5 من 5

أما فيما يتعلق بمبدأ (اللزوم) : فليس الخلاف في كونه مبدءًا صحيحًا في الاستدلال أو لا، وإنما الخلاف في كيفية التعبير عنه؛ فأنتم ترون التعبير عنه من خلال هذه الأقيسة المنطقية، ونحن نرى التعبير عنه بأي أسلوب عربي صحيح.

والخلاصة التي يمكن ملاحظتها من مجموع كلام القائلين بمنع استعمال الأقيسة المنطقية في المباحث الشرعية ـ على التسليم بصحتها في نفسها ـ ترجع إلى الأمور التالية:

أولًا: أن هذه الأقيسة من جملة علم المنطق الذي حكم علماء الإسلام بأن استعماله في المباحث الشرعية بدعة في الدين.

ثانيًا: أن هذه الأقيسة، وإن كان إنتاجها صحيحًا في غير المباحث الشرعية، فهي كثيرًا ما تكون غير ذلك في المباحث الشرعية (20) .

ثالثًا: أن التمادي في استعمال هذه الأقيسة قد يؤدي بصاحبه إلى حسن الظن بعلم المنطق لما يجد فيه من بعض القضايا الصادقة؛ حيث يجره ذلك إلى الاشتغال به، فيقع ـ بغير قصد غالبًا ـ في أغاليطه، وضلالاته الكفرية الكثيرة (21) .

رابعًا: أن في استعمال هذه الأقيسة تطويلًا للكلام من غير فائدة، وأنه يحصل بغيرها ما يحصل بها.

* الترجيح:

من خلال عرض الأقوال في هذه المسألة، والأدلة والمناقشات .. تبين لي أن سبب الخلاف بين الفريقين ليس في كون هذين القياسين صحيحي الإنتاج أو لا، وإنما سببه النظر في اعتبارات أخرى.

والذي ترجح لدي ـ بعد هذا كله ـ الرأيُ القائل بالمنع؛ وذلك لقوة أدلتهم، ووجاهة الاعتبارات التي أخذوا بها.

ومما يؤكد هذا الترجيح أيضًا، أن الناظر في كتب (الفقه) و (التخريج) يدرك توافقه لما سار عليه المُخرّجون على مدى العصور الماضية؛ من استعمالهم للأساليب العربية الموصلة إلى المطلوب بأسهل عبارة، وأخصر طريق، وعدم استعمالهم لتلك الأقيسة المنطقية.

غير أنه يحسن التنبيه في هذا المقام إلى أن القول بعدم جواز استعمال تلك الأقيسة المنطقية لا يلزم منه الحكم على أي حُكْم استُعملت فيه تلك الأقيسة بالفساد، وإنما يلزم منه أن يلحق بمن يستعملها ما يترتب على تلك الاعتبارات التي ذكرها المانعون من أحكام، والله أعلم.

الهوامش:

1 -الرد على المنطقيين، ص247.

2 -المصدر نفسه، ص3.

3 -الموافقات، جـ4، ص249.

4 -قال في كشاف اصطلاحات الفنون (جـ3، ص1304) : (اللزوم عند أهل المناظرة ـ ويسمى بالملازمة والتلازم والاستلزام أيضًا ـ: كون الحكم مقتضيًا لحكم آخر؛ بأن يكون إذا وجد المقتضي وجد المقتضى وقت وجوده .. والحكم الثاني ـ المقتضى على صيغة اسم المفعول ـ يسمى لازمًا. وقد يكون الاستلزام من الجانبين: فأي(الجانبين) يتصور مقتضيًا يسمى ملزومًا، وأي (الجانبين) يتصور مقتضى يسمى لازمًا.

وعند المنطقيين: عبارة عن امتناع الانفكاك عن الشيء، وما يمنع انفكاكه عن الشيء يسمى لازمًا، وذلك الشيء ملزومًا، والتلازم عبارة عن عدم انفكاك من الجانبين، والاستلزام عن عدمه من جانب واحد، وعدم الاستلزام من الجانبين عبارة عن الانفكاك بينهما). (وانظر: التعريفات: ص190، الإيضاح لقوانين الاصطلاح: ص39، الكليات: ص795.

5 -المراد به هنا: المقدّمة أو المقدّمات.

6 -المراد به هنا: النتيجة.

7 -الرد على المنطقيين، ص252.

8 -المصدر نفسه، ص250.

9 -المصدر نفسه، ص119.

10 -أي: القياس المنطقي.

11 -آداب البحث والمناظرة، ص5.

12 -الرد على المنطقيين، ص247.

13 -نقض المنطق، ص201.

14 -الرد على المنطقيين، ص249.

15 -المصدر نفسه، ص252.

16 -المصدر نفسه، ص168.

17 -المصدر نفسه، ص169.

18 -المصدر نفسه، ص169.

19 -نظرية القياس الأرسطي، ص229.

20 -انظر: الموافقات، جـ4، ص249.

21 -انظر: الرد على المنطقيين: ص195 - 198، 321، نقض المنطق: ص209.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت