فشرع للعبد إذا رفع رأسه من السجود أن يجثو بين يدي الله تعالى مستعديا على نفسه، معتذرا من ذنبه إلى ربه و مما كان منها، راغبًا إليه أن يرحمه و يغفر له و يرحمه و يهديه و يرزقه و يعافيه، ز هذه الخمس كلمات، قد جمعت جماع خير الدنيا و الآخرة فإن العبد محتاج بل مضطر إلى تحصيل مصالحه في الدنيا و في الآخرة، و دفع المضار عنه في الدنيا و الآخرة، و قد تضمّن هذا الدعاء ذلك كله.
فإن الرزق يجلب له مصالح دنياه و أخراه و يجمع رزق بدنه و رزق قلبه و روحه، و هو أفضل الرازقين.
و العافية تدفع مضارّها.
و الهداية تجلب له مصالح أخراه.
و المغفرة تدفع عنه مضارّ الدنيا و الآخرة.
و الرحمة تجمع ذلك كلّه. و الهداية تعمُّ تفاصيل أموره كلّها.
و شرع له أن يعودَ ساجدًا كما كان، و لا يكتفي منه بسجدة واحدة في الركعة كما اكتفى منه بركوع واحد؛ و ذلك لفضل السجود و شرفه و قرب العبد من ربِّه و موقعه من الله عز و جل، حتى إنَّه أقرب ما يكون إلى ربه و هو ساجد، و هو أشهر في العبودية و أعرق فيها من غيره من أركان الصلاة؛ و لهذا جُعل خاتمة الركعة، و ما قبله كالمقدمة بين يديه، فمحلّه من الصلاة محل طواف الزيارة، و كما أنه أقرب ما يكون العبد من ربه و هو ساجد، فكذلك أقرب ما يكون منه في المناسك و هو طائف كما قال ابن عمر لمن خطب ابنته و هو في الطواف فلم يرد عليه فلما فرغ من الطواف قال: أتذكر أمرًا من أمور الدنيا و نحن نتراءى لله سبحانه و تعالى في طوافنا.
و لهذا و الله أعلم، جُعل الركوع قبل السجود تدريجا و انتقالًا من الشيء إلى ما هو أعلى منه.