الصفحة 9 من 15

وليس تمثل الشيطان للأنبياء ولا ظهوره لهم بغريب في قصصهم ففي الإنجيل

المعتمد عند النصارى أنه ظهر للمسيح عليه السلام وجربه تجارب طويلة.

فإذا صح أن إبليس عرض لإبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام في أثناء أداء

مناسكه بظهور ذاته أو مثاله، أو بمجرد التصدي للوسوسة والشغل عن ذكر الله

تعالى فلا غرابة في قذفه ورجمه كما يطرد الكلب، فمن المعروف في الأخلاق

والطباع أن يأتي الإنسان بعمل عضوي يظهر به كراهته لما يعرض له حتى من

الخواطر القبيحة ودفعه عنه وبراءته منه، فأخذ الحصيات ورميها مع تكبير الله

تعالى من هذا القبيل، وإن حركة اليد المشيرة إلى البعد لتفيد في دفع الخواطر

الشاغلة للقلب .. والرجم بالحجارة بقصد الدلالة على السخط والتبري أو الإهانة

معهود من الناس، وله شواهد عند الأمم كرجم بني إسرائيل مع يشوع(النبي

يوشع عليه السلام)لمجان بن زراح وأهله وماله من ناطق وصامت(كما في7: 24

و25)من سفر يشوع، وكرجم النصارى لشجرة التين التي لعنها المسيح، ورجم

العرب في الجاهلية لقبر أبي رغال في المغمس بين مكة و الطائف؛ لأنه كان يقود

جيش أبرهة الحبشي إلى مكة لأجل هدم الكعبة حرسها الله تعالى.

والعمدة في رمي الجمار ما تقدم من قصد التعبد لله تعالى وحده، بما لا حظ

للنفس فيه اتباعًا لإبراهيم أقدم رسل الله الذين بقيت آثارهم في الأرض، ومحمد

خاتم رسل الله ومكمل دينه ومتممه الذي حفظ دينه كله في الأرض، صلى الله

عليهم أجمعين.

قال أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى في بيان أسرار الحج من الإحياء: وأما

رمي الجمار فليقصد به الانقياد للأمر إظهارًا للرق والعبودية، وانتهاضًا لمجرد

الامتثال، من غير حظ للعقل والنفس في ذلك؛ ثم ليقصد به التشبه بإبراهيم عليه

السلام حيث عرض له إبليس لعنه الله تعالى في ذلك الموضع ليدخل على حجه

شبهة أو يفتنه بمعصية فأمره الله عز وجل أن يرميه بالحجارة طردًا له وقطعًا لأمله

فإن خطر لك أن الشيطان عرض له وشاهده فلذلك رماه وأما أنا فليس يعرض لي

الشيطان، فاعلم أن هذا الخاطر من الشيطان، وأنه الذي ألقاه في قلبك ليفتر عزمك

في الرمي، ويخيل إليك أنه فعل لا فائدة فيه، وأنه يضاهي اللعب فلم تشتغل به؟

فاطرده عن نفسك بالجد والتشمير في الرمي، فبذلك ترغم أنف الشيطان.

واعلم أنك في الظاهر ترمي الحصى إلى العقبة وفي الحقيقة ترمي به وجه

الشيطان وتقصم به ظهره، إذا لا يحصل إرغام أنفه إلا بامتثالك أمر الله سبحانه

وتعالى تعظيمًا له بمجرد الأمر، من غير حظ للنفس والعقل فيه ا هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت