يجب على المرء، قبل أن يعد بأمر، أن يتروّى فيه حتى يقتله خبرًا. فإن رأى أن في قدرته أن يفيء به وَعَدَ، إلا توقّف. أما من يَعِد قبل التفكّر والتأمل: أَفِيْ وسعه الوفاءُ بما وعد به أم لا؟ فهو رجُلٌ أحمقُ أهوجُ (1) ، وكثيرا ما يرمي الحمق بصاحبه في مفاوزَ من الندم بعيدة الأرجاء (3) .
وبعدُ فإن تعجب لأمر، فأعجب لقوم يقولون ويعدون وهم قد وطّنوا أنفسهم (3) على عدم الوفاء. وإنما يدعوهم إلى الكذب ما أُشْرِبته نفوسُهم من فساد التربية. ومن اعتاد أمرًا حتى صار خُلُقًا له، صَعُبَت إزالته من نفسه. فهو يلازمه حتى يدرجَ في قبره (4) . وإن المرءَ، متى عرف بترك الوفاء وكذب العمل، نفر منه الناسُ حتى أخِصّاؤُه، فلا يثقون به إن قال، ولا يلتفتون إليه إن وعد. بل يرونه كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً (5) حتى إذا جاءه لم يجده شيئا.
ما انتشرت هذه الخصلة الشنعاء في أمة إلا وفقدت الثقةُ من نفوس أبنائها، وفقدانُ الثقة فقدانُ الحياة.
فإياكم - معشر الناشئين - والكذبَ، فإنه يؤدي إلى ثلم (6) تاج الرّفّ. واحذروا الإخلاف بالعهد، فإنه داعية نفور الأمة.
إن كنتم قادرين على الوفاء، فَعِدُوا، أو على الفعل، فقولوا وإلا فَدَعُوا الوعد والقول، كيلا تكونوا من الكاذبين.
(1) الأهوج: الطائش الأحمق، والمؤنث هوجاء، والجمع هوج - بضم الهاء -.
(2) المفاوز: الفلوات المهلكة، والمفرد مفازة - والأرجاء: الأطراف والنواحي.
(3) وطّن نفسه على الأمر مهدها وذللها على إتيانه.
(4) يدرج: يدخل.
(5) السراب: ما تراه نصف النهار من شدة الحر كأنه ماء - والقيعة: أرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عنها الجبال - والظمآن: العطشان.
(6) الثلم: الكسر والشق.