ومع هذا التهديد الذي يستحق الخائنُ الغادرُ أكثرَ منه، لم يفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك التهديد مع المنافقين قط، ولا أنزل بهم عقوبته أبدًا، حتى توفي - عليه الصلاة والسلام - ولحق بالرفيق الأعلى!!
ولقد استوقف هذا الأمرُ أحدَ أئمة التابعين، وهو الإمام الفقيه المفسر محمد بن سيرين (ت 110 هـ) ، فيما صحَّ عنه، فقد قال بعدما تُليت عنده آية سورة الأحزاب المذكورة آنفًا: «لا نعلم شيئًا أَرجَى للمنافقين من هذه الآية! ما علمناه أُغرِيَ بهم حتى مات - صلى الله عليه وسلم -» (1) .
وهذا النص من هذا التابعي العالم الجليل يدل على مقدار التسامح الديني مع المنافقين في زمن النبوة، وأن هذا كان شأن النبي - صلى الله عليه وسلم - معهم، حتى إنه ما أنزل بهم عقوبة تخرج عن حدود عقوبات الحدود المقدّرة والتعزيرات على الخطايا التي لا يختلفون فيها عن بقية المسلمين.
فعدم إنزال العقوبة الدنيوية عليهم على ما كان يبدو منهم من خذلان وإثارة للشكوك والفتن، هو موطن الشاهد على أنهم كانوا يُعاملون بقدرٍ من
(1) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (2/ 270) ، والخطيب في تالي تخليص المتشابه في الرسم (2/ 578 - 579) رقم [350] ، بإسناد صحيح.