فهرس الكتاب

الصفحة 82 من 305

والاجتهاد فيها على كل أحد، حتى على العامة! وهذا ضعيف؛ لأنه لو كان طلب علمها واجبًا على الأعيان، فإنما يجب مع القدرة، والقدرة على معرفتها من الأدلة المفصلة تتعذر أو تتعسر على أكثر العامة.

وبإزائهم من أتباع المذاهب من يوجب التقليد فيها على جميع من بعد الأئمة: علمائهم وعوامهم.

ومن هؤلاء من يوجب التقليد بعد عصر أبي حنيفة ومالك مطلقًا، ثم هل يجب على كل واحد اتباع شخص معين من الأئمة يقلده في عزائمه ورخصه؟ على وجهين. وهذان الوجهان ذكرهما أصحاب أحمد والشافعي، لكن هل يجب على العامي ذلك؟

والذي عليه جماهير الأمة: أن الاجتهاد جائز في الجملة، والتقليد جائز في الجملة، لا يوجبون الاجتهاد على كل أحد ويحرمون التقليد، ولا يوجبون التقليد على كل أحد ويحرمون الاجتهاد، وأن الاجتهاد جائز للقادر على الاجتهاد، والتقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد.

فأما القادر على الاجتهاد فهل يجوز له التقليد؟ هذا فيه خلاف، والصحيح أنه يجوز حيث عجز عن الاجتهاد: إما لتكافؤ الأدلة، وإما لضيق الوقت عن الاجتهاد، وإما لعدم ظهور دليل له، فإنه حيث عجز سقط عنه وجوب ما عجز عنه، وانتقل إلى بدله وهو التقليد، كما لو عجز عن الطهارة بالماء.

وكذلك العامي إذا أمكنه الاجتهاد في بعض المسائل جاز له الاجتهاد، فإن الاجتهاد منصب يقبل التَجَزِّي والانقسام، فالعبرة بالقدرة والعجز، وقد يكون الرجل قادرًا في بعضٍ عاجزًا في بعضٍ. لكن القدرة على الاجتهاد لا تكون إلا بحصول علوم تفيد معرفة المطلوب، فأما مسألة واحدة من فنٍّ، فيبعد الاجتهاد فيها، والله سبحانه أعلم" (1) . انتهى كلام ابن تيمية."

(1) انظر:"مجموع الفتاوى" (20/ 202 - 204) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت