وهكذا فإن على الملقي أن لا يدخر وسعًا في تحبيب موضوع إلقائه للمستمعين ليضمن انتقال المستمع من مرحلة العلم والإدراك إلى هذه المرحلة إذا شاء الله لهذا المستمع هداية وتوفيقا.
3ـ التقييم و الموازنة الفكرية: فإن الإنسان إذا علم شيئا وأدرك انه الحق ثم أحبَّه واهتم به فإنه ليس بالضرورة أن يتبنى السلوك الذي يدعو إليه ذلك العلم بل لابد له وأن يَخْضَع لمرحلة الموازنة بين المصالح والخسائر التي سيجنيها من وراء تَبَنِّيه لذلك السلوك سواء أكانت أخروية أم دنيوية. فإن ترجح لديه جانب المصلحة عمل بذلك السلوك وإلا تركه. والناس يتفاوتون في ذلك تفاوتا عظيما فمنهم من يُقَدِّم المصلحة الأخروية الآجلة على الدنيوية العاجلة مهما كانت خسائره المادية. ومنهم من يفعل العكس فيُقَدِّم المصلحة الدنيوية الفانية على الأخروية الباقية. ففي كتاب الله آيات كثيرة تتحدث عن حال الناس في هذه المرحلة، منها قول الله تعالى عن أهل الكتاب: { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون } ]الأنعام: 20 [ . ومنها قوله جل وعلا في حق آل فرعون: { فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة المفسدين } ] النمل:13-14 [ ولعل من أمثلة ذلك في السنة الشريفة قصة أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم حيث إنه ناصر دعوة ابن أخيه محمد صلى الله عليه وسلم وأقر بصحة دين الإسلام حيث قال منشدا:
والله لن يصلوا إليك بجمعهمحتى أُوَسَّد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضةوأبشر وقرّ بذاك منك عيونا
ودعوتني وعرفت أنك ناصحيولقد صدقت وكنت ثمّ أمينا
وعرضت دينا قد عرفت بأنهمن خير أديان البريّة دينا
لولا الملامة أو حذار مسبةلوجدتني سمحا بذاك مبينا