فإذا سرق مكلف سيارة مع توافر الشروط السابقة وجب إقامة حد السرقة عليه بقطع يده، وذلك حفظًا للأموال التي بها قوام الحياة، ولأن المال محبوب إلى النفوس تميل إليه الطباع البشرية وخاصة عند الحاجة، ومن الناس من لا يردعه عقل، ولا يمنعه نقل، ولا تزجرهم الديانة، ولا تردهم المروءة والأمانة، فلولا الزواجر الشرعية من القطع والصلب ونحوهما، لبادروا إلى أخذ الأموال مكابرة على وجه المجاهرة، أو خفية على وجه الاستسرار، وفيه من الفساد ما لا يخفى؛ فناسب شروع هذه الزواجر حسمًا لباب الفساد، وإصلاحًا لأحوال العباد (20) ، والله _تعالى_ أعلم.
المبحث الثاني: حقيقة الحرز.
المطلب الأول:معنى الحرز في اللغة والاصطلاح.
الحرز في اللغة (21) : مأخوذ من الحفظ والتحفظ، يقال: حرزته واحترز هو، أي: تحفظ، وأصل الحرز في اللغة الموضع الحصين، والمكان الذي يحفظ فيه، والجمع أحراز، وأحرزت المتاع جعلته في الحرز.
وفي الاصطلاح: تعددت عبارات الفقهاء في بيان المراد منه، مع وجود التقارب في بيانه، ومن تعريفاتهم للحرز ما يلي:
1-عرفه الموصلي بأنه:"ما يصير به المال محرزًا عن أيدي اللصوص (22) ."
2-وعرفه ابن رشد بأنه:"ما من شأنه أن تحفظ به الأموال كي يعسر أخذها، مثل: الأغلاق والحظائر، وما أشبه ذلك (23) ."
3-وعرّفه القرطبي بقوله:"الحرز هو ما نصب عادة لحفظ أموال الناس، وهو يختلف في كل شيء بحسب حاله (24) ."
4 -وعرفه الماوردي بأنه:"ما يصير به المال محفوظًا (25) ."
5 -وعرّفه الحجاوي بقوله:"وحرز المال ما العادة حفظه فيه، ويختلف باختلاف الأموال والبلدان وعدل السلطان وجوره، وقوته وضعفه (26) ."
ومن هذه التعاريف يظهر التواطؤ بين المعنى اللغوي والشرعي للحرز: من أن الحرز هو المكان المعدّ لحفظ المال فيه، كما نجد أن النقول متفقة على أن حرز كل شيء بحسبه، وأنه يختلف باختلاف الأموال والأمكنة والأزمنة والأحوال ونحو ذلك (27) ،والله أعلم.
المطلب الثاني: ضابط الحرز.
لم يرد في الشرع للحرز حقيقة اصطلاحية، بحيث إذا أطلق تبادرت إلى الأذهان، كما هو الحال في الصلاة والصوم والنكاح وغيرها؛ بل ترك ذلك لما يتعارف الناس عليه بما يعرفون ويألفون، وهذا يعني أن مفهوم الحرز قابل للتبدل بحسب اختلاف الأعراف زمانًا ومكانًا.