الصفحة 8 من 378

وهذا ما نشاهده في هذا القرن الذي نعيش فيه: القرن العشرين - المنصرم - الذي تطرب لذكره أسماع، وتخشع لعظمته قلوب، القرن الذي بنيت فيه ناطحات السحاب، وعُبِّدَت فيه الطرق البرية الواسعات، حتى أصبح ساكن أقصى الأرض في الشرق، يسافر بسيارته إلى أقصاها في الغرب، وصنعت فيه الطائرات التي تقطع في ساعات ما بين المشرق والمغرب، وامتلأت البحار المحيطات بالسفن الضخمة، المدنية والحربية والغواصات، وأصبحت بعض كواكب السماء، للمسافرين محطات، وقد وطئت أقدام الإنسان على وجه القمر الذي كانت تشبه به الغيد الجميلات!

وهكذا ما من شيء محسوس في هذا الكون إلا كان هدفا لتفكير المفكرين، ومحلا لبحث الباحثين، ليكتشفوا فوائده، ويغوصوا في أعماق أسراره، ويخضعوه للاستفادة منه مدنيا وعسكريا.

ولكن الحياة مع ذلك كله، لا زالت حياة شقاء ونكد، تنتشر فيها الفوضى الحسية والمعنوية، ويعم كثيرا من سكان الأرض الخوف والجوع والفقر والمرض، فلا تجد شعبا ولا دولة-صغرت أم كبرت-آمنة من اعتداء شعب ودولة أخرى، تعد للاعتداء عليها العدة، وتتربص بها الدوائر، ولا تجد شعبا ولا دولة يأمن فيها الناس من الظلم والجور والإجرام، بل إنك لتجد الجرائم تتصاعد كلما تقدم الناس في الاكتشافات العلمية والصناعات القوية، يدل على ذلك ارتفاع نسبة الإجرام والمجرمين في المحاكم والسجون والمعتقلات - عدا من لم تضبطه أجهزة الشرطة ومن يسندها ممن يسمون بأجهزة الأمن - لا بل إنك لتجد الصالح المصلح الأمين، العالم المحب لأمته الساعي إلى تحقيق مصالحها وسعادتها، هو المجرم المكبل بالقيود المودع في المعتقلات، المصلت على رقبته سيف الموت من قبل من آتاه الله القوة من المتكبرين الطغاة، الذين هم أولى بوصف المجرمين، وأحق بالسجون والمعتقلات والنفي والقتل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت