الحصر بعد هذه الحجة ولا تخرجن من البيوت، قال أبو هريرة رضي الله عنه: فكُنَّ كُلُّهن يحججن إلا زينب بنت جحش وسودة بنت زمعة، وكانتا تقولان: والله لا تحركنا دابة بعد أن سمعنا ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - [1] .
وليس هذا في زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم - فحسب، بل سائر الصالحات على ذلك، قال ابن العربي رحمه الله: لقد دخلت نيفًا على ألف قرية فما رأيت نساءً أصون عيالًا ولا أعف نساءً من نساء نابلس، التي رُميَ بها الخليل - صلى الله عليه وسلم - بالنار؛ فإني أقمت فيها، فما رأيت امرأة في طريق نهارًا، إلا يوم الجمعة؛ فإنهن يخرجن إليها حتى يمتلئ المسجد منهن، فإذا قضيت الصلاة وانقلبن إلى منازلهن لم تقع عيني على واحدة منهن إلى الجمعة الأخرى، وقد رأيت بالمسجد الأقصى عفائف ما خرجن من معتكفهن حتى استشهدن فيه. اهـ [2] .
ولا يعني ذلك أن المرأة لا تخرج من بيتها، فإن لها خارج البيت حاجات كما أن للرجال حاجات، فقد تحتاج إلى طلب علم، أو تعليم بنات جنسها، أو دعوة إلى الله تعالى، أو صلة رحم، أو غير ذلك من المصالح الدينية والدنيوية، ولكن الأصل هو قرار المرأة في بيتها، وعدم خروجها إلا لحاجة، وهذا هو الذي فهمه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، واستقر في نفوسهم.
فعن عائشة رضي الله عنها قالت: خرجت سودة بنت زمعة ليلًا، فرآها عمر فعرفها فقال: إنك والله يا سودة ما تخفين علينا، فرجعت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له وهو في حجرتي يتعشى، وإن في يده لعرقًا، فأنزل الله عليه، فرفع عنه وهو يقول: «قد أذن الله لكن أن تخرجن لحوائجكن» [3] .
فهذا من رحمة الله تعالى بنساء المسلمين، أن أذن لهن أن يخرجن لحوائجهن، فمتى أخذت المرأة برخصة الله تعالى لها في الخروج فلتلتزم أمره، ولتجتنب نهيه، فإنها ما لم تفعل ذلك أضاعت كرامتها، وأفنت هيبتها، فصارت هدفًا لكل فاسق، ومطمعًا لكل ناعق، ففتنت نفسها، وفتن بها غيرها، فضلًا عن وقوعها في الإثم واستحقاقها الوعيد الشديد؛ فلتتق المرأة
(1) رواه أحمد (26794) ، وانظر: سنن أبي داود (1722) ، وسند الطيالسي (1647) ، ومسند أبي يعلى (1444، 7154) ، وانظر: مصنف عبد الرزاق (8812) .
(2) أحكام القرآن لابن العربي (3/ 359) .
(3) البخاري (4939) .