وممّا حذف منه حرف الجر، فعاقبه النصب قول المتلمّس [1] :
آليت حبّ العراق الدّهر أطعمه … والحبّ يأكله في القرية السّوس
أراد: على حبّ العراق.
وممّا حذفوه من الحروف الجارّة، وعوّضوا منه، كما حذفوا واو القسم وعوّضوا منها الهمزة الاستفهامية وحرف التنبيه: ربّ، حذفوها، وعوّضوا منها الواو، كقول القائل [2] : «وقرن قد دلفت إليه في المصاع» وكقوله:
وسبى قد حويته في المغار
أراد: ربّ قرن، فحذف ربّ، وأدخل الواو، فمن النحويين [3] من قال: إن الواو هى الجارّة، على طريق النيابة، ومنهم/من قال: إن الجرّ بربّ مقدّرة، والقول الأول عند بعض النحويين أجود، قال: لأنك إذا لم تحكم بأن الجرّ للواو، كانت عاطفة، والعاطف لا يقع أوّلا، وإنما يجيء بعد معطوف عليه، وهذه الواو كثيرا ما تقع مبتدأ بها في الشّعر، كقول رؤبة:
وبلد عامية أعماؤه … كأنّ لون أرضه سماؤه [4]
فلو حكمت بأن الجرّ لربّ، تمحّضت الواو للعطف ابتداء، والعطف لا يقع
(1) ديوانه ص 95، وتخريجه فيه. وانظر أيضا الأصول 1/ 179، والبصريات ص 914، والجمل المنسوب للخليل ص 96، والمغنى صفحات 99،245،590،600، وشرح أبياته 2/ 259. وقوله: «آليت» أى أقسمت وحلفت. وهو بفتح التاء-لا بضمّها كما يأتى في كثير من الكتب- لأنه يخاطب عمرو بن هند الملك.
(2) هذا والذى بعده من الشواهد التى لم أعرف صوابها ولا تتمّتها.
(3) الكوفيون والمبرّد من البصريين. والرأى الآخر لعامة البصريين. الإنصاف ص 376، والجنى الدانى ص 154، والمغنى ص 361 (حرف الواو) ، وتذكرة النحاة ص 8، وراجع المقتضب 2/ 319، 347، وقد ذكر ابن الشجرى هذا الخلاف في المجلس الثانى والعشرين.
(4) فرغت منه في المجلس الثانى والعشرين.