وأفْردنِي صِفْرَ اليديْن ونَاشَنِي ... بِمِخْلَبِه إلا شَفْى وفَرَّق بالِي
فخيرُ الورَى ذُخْرِي وكَهْفِي وعُدَّتِي ... يُخلِّصُنِي منه بغيرِ سُؤالِ
فهِمَّتُه زُهْرُ الكواكِب دُونَها ... ومجلسُه السَّامِي مَحِطُّ رِحالِي
منها:
إذا خَطَّ طِرْسٍ رأيتَ جواهرًا ... تَنظَّمُ في سِمْطَيْ حَيًا وجَمالِ
وإن قال لم يتْرُك مَقالًا لقائلٍ ... وإن صالَ جالَ القِرْنُ كلَّ مَجالِ
ولا عَجَبٌ من سَيْبِ سُحْبِ نَوالِهِ ... ومَبْسِمِه الأسْنَى وحُسْنِ فِعالِ
ولكنْ عجيبٌ لا تَرَى بك وَحْشةً ... وأنتَ بدُنْيانا عَدِيمُ مِثالِ
وكتب يهنيه بعيد النحر:
تَهَنَّ بعيد النَّحْرِ يا واحدَ الدَّهْرِ ... ودُم في الْهنا والعزِّ والمجدِ والنصْرِ
تُقلدنا فيه قلائدَ أنْعُمٍ ... وأحسنُ ما تبْدُو القلائدُ في النَّحْرِ
فهذا زمانُ الأمْنِ واليُمْنِ والمُنَى ... وهذا زمانُ المدحِ والحمدِ والشكرِ
ولمَّا حَطَطْتُ الرَّحْلَ دون عِراصِهِ ... أخذتُ أمانَ الدهرِ من نُوَبِ الدهرِ
وما عَتْبُه إلاَّ بأني وَصفتْهُ ... وشبَّهتُه بالبدرِ والليثِ والبحرِ
ومن يكُنِ الرحمنُ خَلَّد مُلْكَه ... وأثنَى عليه الله في مُحْكَمِ الذِّكْرِ
يَحِقُّ له أن يبسُط الكَفَّ بالْعَطَا ... وينصُرَ مكسورًا من الفقرِ بالجَبْرِ
قوله: تقلدنا فيه قلائد البيت، لما رأيته منسوبًا إليه، استكثرت معناه البديع عليه.
ثم ظفرت به في أشعار بلدية ابن نباتة، فعرفت أن التضمين ما فاته.
ولابن نباتة بيتٌ قبله، وهو:
تَهَنَّ بِعيد النحرِ وابْقَ مُمتَّعًا ... بأمثالهِ سامِي العلى نافِذ الأمْرِ
وأصله قول زكي الدين بن أبي الإصبع، وفيه الاستتباع،
تخيَّل أن القِرْنَ وَافاهُ سائلًا ... فقابلَه طَلْقَ الأسِرَّةِ ذا بِشْرِ
ونادَى فِرِنْدَ السيفِ دُونَك نَحْرَهُ ... فأحْسَنُ ما تُهْدَى الَّآلِي إلى النَّحرِ
وفي منشآت ابن نباتة: وصل المثال الأعظم فقبل المملوك الأرض أمامه مرارًا، واسترسل سماء النعمة مدرارًا.
وعارض بقطرات مدحه البحر، وتقلد في هذا العيد قلادة الكرم وأحسن ما كانت القلادة في النحر.
محمد بن معتوق المنوفي القاضي فاضلٌ قال من الفضل بظلٍ وريف، وكاملٌ حل من الكمال بين خصب وريف.
حسن اللفظ وجوده، وبيض وجه البلاغة بما سوده.
وله شعر ألذ من غمزات الألحاظ المراض، وأشهى من تلفت الظباء بعد الإعراض.
أنشدني له بعض المصريين قوله:
رمى رِيمُ النَّقا من أرْض رَامَهْ ... بلَحْظٍ في الْحَشَا يُذْكِي ضِرامَهْ
فما ثُعَلٌ برامِيَةٍ نِبالًا ... إذا ما استَلَّ من لَحْظٍ حُسامَهْ
شُعورِي ضَلَّ في داجِي شُعورٍ ... تُظلِّلُ وَجهَه من فوقِ هَامَهْ
ألا فاعجَب لِظلٍ فوق شَمْسٍ ... وبدرٍ قد أظلَّتْه غمامَهْ
وخِشْفٍ بالشَّمائِل والمَزايَا ... تراه يَصِيدُ مِن غَابٍ أُسامَهْ
يمُرُّ مُسلِّمًا صبٌّ عليه ... فلا يَرْضَى لعاشِقه سَلامَهْ
ويقتُل مَن يهَيمُ به مَلُومًا ... وليس عليه في قتْلٍ مَلامهْ
منها:
أَخا الغزْلانِ رفْقًا بالمعَنَّى ... فمِن مَعْنَاك قد حَلَّى نظامهْ
يُسامِي فكرُه الْعَيُّوقَ حتَّى ... يُسامِرَه ويُسْمِعه كلامَهْ
علي بن موسى الأبيض قمر ذكاءٍ يلذ على طلعته السمر، وربيع فضلٍ يطيب منه النور والثمر.
رأيته بمكة فرأيت شخصًا بحلية التقى متحليا، ومن هجنة الرياء متخليا.
وهو ذو بيضاء نقية، فيه من نزقة الشباب بقية.
وله شعر أعده من وساوس فكره، إلا أني لم أر بدًا من ذكره.
فمنه قوله، من قصيدة في الغزل:
سَبتْني بحُسْنِ البَها والكَحَلْ ... إلى أن بَدَا الشيبُ عندي وحَلّ