تُغْمَدُ البِيضُ في طُلاهمْ بفَتْكٍ ... مُضَرٌ لُقِّبَتْ به الْحَمراءُ
هذا من الأسرار العجيبة في اللغة العربية، وهو الإشارة إلى حال اللفظ أو جهة وصفه، كقول ابن الرومي:
غارتْ عليهنَّ الثُّدِيُّ ... هناك مِن مسِّ الغَلائِلْ
وإذا لبِسْنَ خَلاخِلًا ... كَذَّبْن أسماءَ الخلاخِلْ
وقال الشريف الرضي:
وغَيَّر ألْوانَ الْقَنَا طولُ طَعْنهمْفبالحُمْرِ تُدْعَى اليومَ لا بالْقنَا السُّمْرِ
وقال:
سُمِّيتِ الغَبْراءُ في عَهْدِهمْ ... حَمْراءَ من طُولِ قِطارِ الدَّمِ
وقال الغزي:
حيثُ القناةُ تُرَى قَناةً كاسْمِها ... من نَضْحِ عَيْنِ الطَّعْنَة الرَّشَّاشِ
وقال ابن حازم:
جعلُوا الْقَنا أقْلامَهم وطُرُوسَهمْ ... مُهَجَ العِدَى ومِدَادهنَّ دِماءَهَا
وأظُنَّ أن الأقْدَمِين لِذا رَأَوْا ... أن يجعلوا خَطِّيَّةً أسْماءَهَا
وقال المتنبي في الدنيا:
شِيَمُ الْغانياتِ فيها فما أدْرِي ... لِذا أنَّث اسمها النَّاسُ أوْ لاَ
وقال الشاب الظريف:
أدُورُ لتَقْبِيلِ الثَّنايَا ولم أزَلْ ... أجُودُ بنَفْسِي للنَّدامَى وأنْفاسِي
وأكْسُوا أكُفَّ الشُّهْبِ ثَوْبًا مُذَهَّبًا ... فمِن أجْلِ هذا لَقّبُونِيَ بالْكاسِ
وقال الخفاجي:
ما السِرُّ سِرٌّ إذا أظْهَرْتَه لِفَتىً ... سِواكَ والسِّرُّ لِلإخْفاءِ قد صُنِعَا
منها تتمة:
قد مَحاهمُ وطهَّر الأرْضَ منها ... ومع السَّيْلِ لا يَقَرُّ الغُثاءُ
وبُطونُ الطَّيرِ أمْسَتْ قُبورًا ... لِلْعدى إذ تُمزَّق الأشْلاءُ
ما سمِعْنا بالقبْرِ سار اشْتياقًا ... لِيُوارِي سَوْآتِ مَن قد أسَاءُوا
رُبَّ من كان زِئْبَقًا فَرَّارًا ... صار عَبْدًا لِرِقِّه اسْتعساءُ
لم يَقِلْ والظِّلالُ صارتْ مِهادًا ... فَوْقَه الآلُ بُرْدَةٌ سِيَراءُ
منها:
هو نُورٌ فما لَه قَطُّ ظِلٌّ ... لاَحَ لولا بُرودُه والرِّداءُ
إن نَفَى ظُلْمةً عَياءُ جَمالٍ ... فبِظِلٍ له يَعِزُّ البقاءُ
صِينَ عن أن يُجَرَّ في التُّرْبِ ذَيْلٌ ... مِن ظِلالٍ له كما الأفْياءُ
فَرَشَ الناسُ ظِلَّهم واحْتَذَوْهُ ... عندما قام للنّهارِ اسْتِواءُ
كيف يبْدُو ظِلٌّ لِشَمْسٍ تَعالَتْ ... واسْتوَى الإسْتواءُ والإرْتقاءُ
أتُراه يُصانُ عَن حَرِّ جَوٍ ... إذْ أظَلَّتْه سُحْبُه والْعَماءُ
أمْ عليه تَغارُ مِن عَيْنِ شَمْسٍ ... مُدَّ مِن دونها عليه الْغِطاءُ
لم تَرَ العَيْنُ مِثْلَه فلهذا ... يَنْمَحِي ظِلُّه إذا الناسُ فَاءُوا
لَبِسَ الظِّلُّ مِن نَواهُ حِدادًا ... فظِلالُ الورَى لِذَا سَوْداءُ
من هذا يعلم قدرته على الكلام وتصرفه، وبالجملة فلم أر أحدًا مثله أطاعته ألفاظ الكلام وأحرفه.
وقد استعمل الظل في معنىً غير ما نظمه هنا من رباعية له:
ما جُرَّ لِظلِّ أحْمَدَ أذْيالُ ... في الأرضِ كَرامةً كما قد قَالُوا
هَذا عَجَبٌ ويا لَه مِن عَجَبٍ ... والناسُ بِظلِّه جميعًا قالُوا
لَيْلةٌ أنْجَبتْ وقد حَمَلْته ... وبهذا ما أنْجَبتْ سَوْداءُ
جَنَّةٌ كلُّ بُقْعةٍ حَلَّ فيها ... ليس فيها لَغْوٌ ولا شَحْناءُ
وأهالِي الجنانِ ليس ينامُو ... ن لذا كان نَوْمُه الإغْفاءُ
يَقِظُ القلبِ فالجفونُ هُجودٌ ... ومَحارِيبُ حاجِبَيْه قُباءُ
فُوهُ لم ينْفَتِحْ بغير سَدادٍ ... لا تَمَطٍ له ولا ثَوْباءُ
الثوباء: التثاؤب.
قال ابن حجر في شرح الهمزية: جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم حفظ من التثاؤب، بل جاء أن كل نبيٍ كذلك.