وله في المجدِ شَأْوٌ ... دونه النجمُ وفَرْقَدْ
نَجْلُ أقْطابٍ كِرامٍ ... لهمُ غاياتُ سُؤْدَدْ
كم كراماتٍ شهِدْنَا ... مالَها حَصْرٌ ولا عَدّ
يعجِزُ الواصفُ عنها ... منهمُ جاءتْ بلا حَد
مَلأَتْ شرقًا وغربًا ... وبدَتْ في كلِّ مَشْهَدْ
عَبِقَ الكونَ ثَناهُم ... كعَبِيرِ المِسْكِ والنَّدّ
وحكى لي صاحبنا الفاضل مصطفى بن فتح الله، قال: كنت بالمدينة نظمت قصيدةً في الغزل، فلامني عليها بعض الناس، وبلغ ابن مكي ذلك، فأتى إلى منزلي ليروحني، فلم يجدني، فكتب:
أتيتُك من شوقِي إليك مُسَلِّمًا ... وقد صار قلبي في وِدادِك ذا شُغْلِ
فمِن سُوءِ حَظِّي ما تَمَلَّيْتُ ساعةً ... بمَرْآكَ يا رَبَّ الفصَاحةِ والنُّبْلِ
فلا عَتْبَ لي إلاَّ عليه فإنه ... على نَيْلِ ما أهْواه في الدهرِ ذُو بُخْلِ
فيا مَن له طبعٌ أرَقُّ من الصَّبا ... لقد ساءَني ما قد لَقِيتَ من العَذْلِ
فلا تسْتمِعْ قولًا لِواشٍ وناصِحٍ ... ولا تَرْعَوِي عن حُبِّ ذِي الأعْيُنِ النُّجْلِ
فما أنتَ في حُبِّ الْجَآذِرِ أوَّلًا ... أشَاعَ الهوى أسْرارَه يا أخا الفَضْلِ
بِذا قد قضَى شَرْعُ الغَرامِ بأهْلِه ... فنصْبرُ في حُكْمِ الغرامِ على القَتْلِ
إذا ما رَنَا مَن يُشْبِهُ الظَّبْيَ لَفْتَةً ... ومَاسَ كغُصْنٍ فوق دِعْصٍ من الرَّمْلِ
وأظْهَر وَرْدًا في شَقائِقِ خَدِّه ... وسار يجُرُّ الذَّيْلَ تِيهًا على مَهْلِ
وفاح شَذَا مِسْكٍ على الْخَالِ عَمَّهُ ... مَحاسِنُ أوْصافٍ تَجِلُّ عن المِثْلِ
وأبْسَمَ عن دُرٍ تنظَّم في طُلىً ... ألَذُّ وأحْلَى رَشْفُها من جَنَى النَّحْلِ
فأيُّ فُؤادٍ ليس يصْبُو لِحُسْنِه ... ويشْتاق من ذاك الغَزالِ إلى الوَصْلِ
ألا أيُّها العُذَّالُ إنَّ بَنِي الهَوى ... رَأُوا اللَّوْمَ في حُبِّ الحِسانِ من الجهلِ
ففي مَعْرَكِ الأحْداقِ والمُهَج انْظُروا ... ولُومُوا ولِجُّوا بعد ذلك في العَذْلِ
تَبارَك مَن حَبَّ الجمالَ وأهْلَه ... ومَن خلَق الإنْسانَ في أحْسَن الشَّكْلِ
إليك أخا الأفْضالِ سارتْ شَقائقٌ ... مُداعِبَةٌ تَرُوْيِك بالجِدِّ والهَزْلِ
فكُن فاتِحًا بابَ الرِّضَا لقبولها ... وأصْلِحْ مَعانيها من القولِ والفِعْلِ
ودُمْتَ قَرِيرَ العَيْنِ في حِفْظِ ربِّنا ... ونَسْمعُ ما تَرْوِي ونكتُب ما تُمْلِي
فكتب إليه مجيبًا:
يا أحمدًا حاز المَكارمَ كُلَّها ... ويا فاضلًا مِن دونِه كُلُّ ذِي فَضْلِ
ويا ماجدًا يسْمُو على كلِّ ماجدٍ ... ويا مَن غدَا في الفَضْلِ مُمْتنِعَ المِثْلِ
ويا نَجْلَ مَكِّيِّ الهُمامِ الذي له ... فضائلُ إنْ أعْدَدْتُها فهْي كالوَبْلِ
على كلِّ حالٍ لستُ أُحْصِي ثَناكُما ... ولكنَّ بعضَ القولِ يكفي عن الكُلِّ
بنفسِي أُفَدِّي منك لَفْظًا كلُؤْلُؤٍ ... وشِعْرًا رقيقًا صار ذِكْراه لي نَقْلِي
بعثْتَ بِخَوْدٍ يُخْجل البدرَ حُسْنُها ... عَقِيلةَ أتْرابٍ بها صِرْتُ ذا شُغْلِ
سُلافِيَّةُ الألْفاظِ شَمْسيَّةُ السَّنَا ... مُدامِيَّةُ الأَلْمَى لحالش الشَجِي تُمْلِي
فأفْرشْتُها خَدِّي وأوْسَدْتها يَدِي ... وصيَّرْتُها مِنِّي بمنزلةِ الخِلِّ
وبِتُّ أُعاطِيها ثَنايَ مُعظِّما ... عليْك وجادتْ عند ذلك بالوَصْلِ
وقبَّلْتُها ألْفًا وضِعْفَها ... فحيَّاك ربُّ العرشِ يا زَاكِيَ الأصْلِ