النفوس فتقع فيها موقع الاستحسان، وإذا تطبيق تلك الأحكام الذي هو في الأصل نصرة للإسلام وإعلاء له يصبح في هذه الحال آيلا إلى عكس ذلك من استنقاص له ونفور منه.
وقد كان المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث يصدر في بعض فتاويه وقراراته بناء على هذا المعنى الذي يؤخذ فيه البعد الدعوي للأقلّية المسلمة بعين الاعتبار، ومن ذلك ما جاء في فتواه بجواز الاقتراض الربوي لشراء المساكن من تقرير للحاجة على أنّ"هناك إلى جانب هذه الحاجة الفردية لكلّ مسلم، الحاجة العامّة لجماعة المسلمين الذين يعيشون أقلّية خارج دار الإسلام، وهي تتمثّل في تحسين أحوالهم المعيشية، حتى يرتفع مستواهم، ويكونوا أهلا للانتماء إلى خير أمّة أخرجت للناس، ويغدو صورة مشرقة للإسلام أمام غير المسلمين" [1] .
يتبيّن إذن أنّ خصوصية الأقلّية المسلمة متمثّلة في تمثيليتها للإسلام في عيون غير المسلمين الذين تعيش في مجتمعهم، ومنظورا إليها في بعدها الدعوي والحضاري والمستقبلي في علاقة الإسلام والمسلمين بالغرب وأهله، يتبيّن أنّها خصوصية ذات أثر في مآلات الأفعال، فذلك إذن موطن خصب للاجتهاد في فقه الأقلّيات، ولكنّه موطن تتشابه فيه السبل، وتختلط فيه الحقائق بالظنون، فعلى المجتهد الفقيه أن يوازن فيه بين المصالح والمفاسد بموازين الذهب حتى لا تُنتهك أحكام الشريعة بالأوهام.
إنّ ذلك المنهج الدقيق هو ما يجب أن يكون ديدنا للناظرين في مجمل النظر في مآلات الأفعال كأصل من الأصول في المعالجة الشرعية لأوضاع الأقلّيات المسلمة، وإنتاج فقه ثريّ في ذلك يرقّي هذه الأوضاع ويبلغ بها أهدافها القريبة والبعيدة، وذلك سواء من حيث تعيين مقاصد الأحكام، أو من حيث تبيّن أيلولتها الفعلية، أو من حيث تقدير ما هو مناسب منها لتلك الأيلولة، فكلّ ذلك كما لاحظ الإمام الشاطبي: صعب المورد، إلاّ أنّه عذب المذاق، محمود الغبّ.
(1) نفس المرجع: 30