( من رسالة شخصية للأستاذ أنور الجندي في مرضه الأخير في 20 / 9 / 1422 هـ )
قال أبو الفداء سامي التوني في خاطرةٍ له في عَرين الأسد:
أحد الأدوار الهامة التي قام بها أنور الجندي - وبذا أسدى للأمة جميلا لا تقدرُ على الوفاء له بشكره أبدًا - وهي بصدد يقظتها مع مطالع القرن الخامس عشر الهجري / أواخر القرن العشرين النظرة الكلية للتاريخ الإسلامي والتراث الإسلامي ورجالات الإسلام، فيرى جوهر ما قد غشي على الكثيرين لكثرة ما أثير حول ذلك من خلاف وشبهات ومشكلات. وإذا تأملتُ - مثلا - كتابه «نظريات وافدة كشف الفكر الإسلامي زيفَها» راودني شعورٌ قويّ ، هو نفس الشعور الذي وجدته في مجالساتي معه - رغم أنها في فترة مرضه وقد تقدم به السن - ـ إنه الشعور بأن الرجل مُقاتل يقفُ على ثَغْرٍ من ثغور الإسلام لا يرقأُ له جَفن ولا يخلد للراحة أبدًا، لا يسمح لجفنه أن يغمض للحظات.. إنه يراقب كتائب الأعداء، يرقبُها ويبحث ويحلل ما وراء خطواتهم وحركاتهم وكلماتهم.. إنه مقاتل مخلص يقظ يؤدي دوره على أكمل وجه، ثم يُطلق النذير بعد النذير لأمةٍ غَطَّتْ في سُبَاتٍ عميق ، فمنهم من يتململ من هذه الكلمات، ومنهم من لا يُلقي لها بَالا، ومنهم - بلا شك - رجال انتصحوا بكلماته وانتبهوا بندائه، بل ومنهم مَن أدرك خَطر الأمرِ فسارع الخُطَا ليقفَ إلى جِوار الرجل محاولا أن يقوم بنفس الدور .. إنه رجل كَمِائَة ، قام حين نام الناس، وتصدَّرَ في زمنٍ أجفل فيه الناس، وأدرك ما استغلق فهمه على كثيرين.. إنه رجلٌ كَمِائَة.. إنه أنور الجندي.
هذا هو أنور الجندي بعد رحلته الطويلة جدا الشاقة للغاية التي لم يجرؤ غيره على خوضها، بعد أن قام بدراسة الأدب العربي المعاصر في البلدان العربية كافة يعود بثمرةٍ بعد التزامه أن الأدب العربي لا تصلح دراسته خارجا من وضعه الصحيح في الفكر الإسلامي. ( تأمل"نظريات وافدة"ص 10: 11)