كل هذه العوامل لا بد أن تؤخذ بعين الاعتبار عند وضع منظور التخطيط الاستراتيجي لكن قيادة التخطيط والتنفيذ لا بد أن تكون في أيدي حكماء, فليس من خطر أشد على الأمم في السياسة - خاصة الخارجية - من التوجهات الرومانسية, فالخبرات التاريخية تؤكد أن مثل هذه التوجهات مكتوب لها الفشل لا محالة, ففي نهاية القرن الثامن عشر وفي فترات التطرف العقلاني, كان الناس ينحون نحو العاطفة والإلهام والشعر, كانت الرومانسية تسود كل أشكال الأدب وتخترق كل المجالات بما في ذلك السياسة, كانت هذه الأوضاع من بين الأسباب التي أدت إلى فشل العديد من الحركات الوطنية رومانسية التوجه, مثل حركة الإحياء في إيطاليا.
لكن الموجات التالية للرومانسية كانت أشد خطرًا, ففي بداية النصف الأول من القرن العشرين, سادت هذه التوجهات وظهرت النازية والفاشية, في هذه الأوقات وبعد فترات طويلة من الفوضى وفترات أطول من اليأس اتخذ الناس من الأساطير ملجأ لهم, سادت الأساطير والسخرية اللاذعة حتى أصبحتا هما الحقيقة والمصباح المنير للناس, ومن بين الأساطير التي لا زالت موجودة حتى يومنا هذا أسطورة القومية, القومية الطورانية, القومية التركية, القومية الإسلامية والقومية الإيرانية, وفي عصر سيطرة العديد من النظم الاستعمارية على الدول الإسلامية, لم تكن أسطورة القومية الإسلامية في إطار الأمة الموحدة, إلا إغفال للحقائق, فقبل هذا كانت هناك تجربتان فشلتا فشلًا ذريعًا, التجربة الناصرية التي دعت إلى دولة عربية موحدة, والتجربة البعثية التي دعت إلى أمة عربية موحدة, فلو كانت فكرة الأمة والعالم الإسلامي الموحد قد بقيت مثل"التحالف المقدس"لقيصر الروس الكسندر الأول في عام 1815 لكانت مقبولة, لكن كيف ذلك, وفي هذه المنطقة تعيش أربعون أقلية إثنية ودينية وتوجد أنظمة تتراوح ما بين الرجعية والثورية, في كل هذه الأوضاع فإن موضوع الوحدة ما هو إلا حلم من أحلام اليقظة.