الصفحة 67 من 230

إن هذه الرسالة تخاطب العقل. . بمعنى أنها توقظه , وتوجهه , وتقيم له منهج النظر الصحيح. . لا بمعنى أنه هو الذي يحكم بصحتها أو بطلانها , وبقبولها أو رفضها. ومتى ثبت النص كان هو الحكم ; وكان على العقل البشري أن يقبله ويطيعه وينفذه ; سواء كان مدلوله مألوفا له أو غريبا عليه. .

إن دور العقل - في هذا الصدد - هو أن يفهم ما الذي يعنيه النص. وما مدلوله الذي يعطيه حسب معاني العبارة في اللغة والاصطلاح. وعند هذا الحد ينتهي دوره. . إن المدلول الصحيح للنص لا يقبل البطلان أو الرفض بحكم من هذا العقل. فهذا النص من عند الله , والعقل ليس إلها يحكم بالصحة أو البطلان , وبالقبول أو الرفض لما جاء من عند الله.

وعند هذه النقطة الدقيقة يقع خلط كثير. . سواء ممن يريدون تأليه العقل البشري فيجعلونه هو الحكم في صحة أو بطلان المقررات الدينية الصحيحة. . أو ممن يريدون إلغاء العقل , ونفي دوره في الإيمان والهدى. . والطريق الوسط الصحيح هو الذي بيناه هنا. . من أن الرسالة تخاطب العقل ليدرك مقرراتها ; وترسم له المنهج الصحيح للنظر في هذه المقررات , وفي شؤون الحياة كلها. فإذا أدرك مقرراتها - أي إذا فهم ماذا يعني النص - لم يعد أمامه إلا التصديق والطاعة والتنفيذ. . فهي لا تكلف الإنسان العمل بها سواء فهمها أم لم يفهمها. وهي كذلك لا تبيح له مناقشة مقرراتها متى أدرك هذه المقررات , وفق مفهوم نصوصها. . مناقشتها ليقبلها أو يرفضها. ليحكم بصحتها أو خطئها. . وقد علم أنها جاءته من عند الله. الذي لا يقص إلا الحق , ولا يأمر إلا بالخير.

والمنهج الصحيح في التلقي عن الله , هو ألا يواجه العقل مقررات الدين الصحيحة - بعد أن يدرك المقصود بها - بمقررات له سابقة عليها ; كونها لنفسه من مقولاته"المنطقية"! أو من ملاحظاته المحدودة ; أو من تجاربه الناقصة. . إنما المنهج الصحيح أن يتلقى النصوص الصحيحة , ويكون منها مقرراته هو! فهي أصح من مقرراته الذاتية ; ومنهجها أقوم من منهجه الذاتي - قبل أن يضبط بموازين النظر الدينية الصحيحة - ومن ثم لا يحاكم العقل مقررات الدين - متى صح عنده أنها من الله - إلى أية مقررات أخرى من صنعه الخاص!

.إن العقل ليس إلها , ليحاكم بمقرراته الخاصة مقررات الله. .

إن له أن يعارض مفهوما عقليا بشريا للنص بمفهوم عقلي بشري آخر له. . هذا مجاله , ولا حرج عليه في هذا ولا حجر ما دام هنالك من الأصول الصحيحة مجال للتأول والأفهام المتعددة. وحرية النظر - على أصوله الصحيحة وبالضوابط التي يقررها الدين نفسه - مكفولة للعقول البشرية في هذا المجال الواسع. وليس هنالك من هيئة , ولا سلطة , ولا شخص , يملك الحجر على العقول , في إدراك المقصود بالنص الصحيح وأوجه تطبيقه - متى كان قابلا لأوجه الرأي المتعددة , ومتى كان النظر في حدود الضوابط الصحيحة والمنهج الصحيح , المأخوذ من مقررات الدين - وهذا كذلك معنى أن هذه الرسالة تخاطب العقل. .

إن الإسلام دين العقل. . نعم. . بمعنى أنه يخاطب العقل بقضاياه ومقرراته ; ولا يقهره بخارقة مادية لا مجال له فيها إلا الإذعان. ويخاطب العقل بمعنى أنه يصحح له منهج النظر ويدعوه إلى تدبر دلائل الهدى وموحيات الإيمان في الأنفس والآفاق ; ليرفع عن الفطرة ركام الإلف والعادة والبلادة ; وركام الشهوات المضلة للعقل والفطرة. ويخاطب العقل بمعنى أنه يكل إليه فهم مدلولات النصوص التي تحمل مقرراته , ولا يفرض عليه أن يؤمن بما لا يفهم مدلوله ولا يدركه. . فإذا وصل إلى مرحلة إدراك المدلولات وفهم المقررات لم يعد أمامه إلا التسليم بها فهو مؤمن , أو عدم التسليم بها فهو كافر. . وليس هو حكما في صحتها أو بطلانها. وليس هو مأذونا في قبولها أو رفضها , كما يقول من يبتغون أن يجعلوا من هذا العقل إلها , يقبل من المقررات الدينية الصحيحة ما يقبل ,

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت