الصفحة 58 من 230

قول غيره من الرسل قيل هذا له نظائر كما في قوله {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} والفحشاء من المنكر وكذلك قوله {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي} وإيتاء ذي القربى هو من العدل والإحسان كما أن الفحشاء والبغي من المنكر وكذلك قوله {والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة} وإقامة الصلاة من أعظم التمسك بالكتاب وكذلك قوله {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا} ودعاؤهم رغبا ورهبا من الخيرات وامثال ذلك في القرآن كثير.

وهذا الباب يكون تارة مع كون احدهما بعض الآخر فيعطف عليه تخصيصا له بالذكر لكونه مطلوبا بالمعنى العام والمعنى الخاص وتارة تكون دلالة الاسم تتنوع بحال الانفراد والاقتران فإذا افرد عم وإذا قرن بغيره خص كاسم الفقير والمسكين لما افرد احدهما في مثل قوله {للفقراء الذين احصروا في سبيل الله} وقوله {إ ِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} دخل فيه الآخر ولما قرن بينهما في قوله {إنما الصدقات للفقراء والمساكين} صارا نوعين.

وقد قيل إن الخاص المعطوف على العام لا يدخل في العام حال اقتران بل يكون من هذا الباب والتحقيق أن هذا ليس لازما قال تعالى {مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} البقرة98

من عادى الله وملائكته، ورسله من الملائكة أو البشر، وبخاصة المَلَكان جبريلُ وميكالُ؛ لأن اليهود زعموا أن جبريل عدوهم، وميكال وليُّهم، فأعلمهم الله أنه من عادى واحدًا منهما فقد عادى الآخر، وعادى الله أيضًا، فإن الله عدو للجاحدين ما أنزل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم. وقال تعالى {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} الأحزاب7

واذكر -أيها النبي- حين أخذنا من النبيين العهد المؤكد بتبليغ الرسالة, وأخذنا الميثاق منك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم (وهم أولو العزم من الرسل على المشهور) , وأخذنا منهم عهدًا مؤكدًا بتبليغ الرسالة وأداء الأمانة, وأن يُصَدِّق بعضهم بعضًا ..

وذكر الخاص مع العام يكون لأسباب متنوعة تارة لكونه له خاصية ليست لسائر أفراد العام كما في نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وتارة لكون العام فيه إطلاق قد لا يفهم منه العموم كما في قوله {هدى للمتقين} {والذين يؤمنون الغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما انزل إليك وما انزل من قبلك} فقوله يؤمنون بالغيب يتناول الغيب الذي يجب الإيمان به لكن فيه إجمال فليس فيه دلالة على أن من الغيب ما انزل إليك وما انزل من قبلك وقد يكون المقصود أنهم يؤمنون بالمخبر به وهو الغيب وبالأخبار بالغيب وهو ما انزل إليك وما انزل من قبلك ومن هذا الباب قوله تعالى {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} العنكبوت45

اتل ما أُنزل إليك من هذا القرآن, واعمل به, وأدِّ الصلاة بحدودها, إن المحافظة على الصلاة تنهى صاحبها عن الوقوع في المعاصي والمنكرات; وذلك لأن المقيم لها, المتمم لأركانها وشروطها, يستنير قلبه, ويزداد إيمانه, وتقوى رغبته في الخير, وتقل أو تنعدم رغبته في الشر, ولَذكر الله في الصلاة وغيرها أعظم وأكبر وأفضل من كل شيء. والله يعلم ما تصنعون مِن خيرٍ وشر, فيجازيكم على ذلك أكمل الجزاء وأوفاه. وقوله {وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} الأعراف170

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت