الصفحة 35 من 732

ساعدهم على ذلك أن دلائل الفقهاء كلها ظنية الثبوت ولا يشترط فيها

التواتر . ولكل إنسان أن يأخذ بما يطمئن به قلبه من الاحاديث بغير

ما حرج . ولو أنت رجعت إلى كتب المحققين وبخاصة كتاب"إعلام"

المرقعين"لابن قيم الجوزية لوجدت فيه أحاديث كثيرة تبلغ المائة"

أو تزيد - لم يأخذ شيوخ الفقه بها ، ولم يخالفوا مذاهبهم من أجلها

، وإذا سألتهم عن سبب استمساكهم بما وجدوه في مذاهبهم وعدم الاخذ

عن غيرها قالوا: إن أئمتهم لم يأخذوا بما أخذوا من أحاديث وفتاوى

من قبلهم إلا بما اطمأنت به قلوبهم وسكنت إليه نفوسهم مما هو صحيح

في رأيهم ، وجرى عليه العمل في أزمانهم ، وإن هؤلاء الائمة الكبار

قد كانوا لقربهم من الصحابة وكبار التابعين أوسع علما ، وأعمق فقها

من أصحاب كتب السنة الذين لم تشتهر كتبهم إلا بعد انقضاء القرون

الاولى التى هي خير القرون بنص الحديث الذى رووه في ذلك . وأما

أئمة النحو فإنهم لم يجعلوا الحديث من النصوص التى يستشهدون بها

على قواعدهم في اللغة والنحو لانهم استيقنوا أن النص الصحيح للحديث

قد ضاعت معالمه ، وأن ما يروى عن النبي لم يأت على حقيقة لفظه ،

ولا يعلم أحد على اليقين ما هي الصورة الصحيحة التى نطق النبي بها

، وبذلك لا يصح الاستشهاد بالحديث ، وعلى أنهم لا يأخذون بالحديث

الذي جاءهم عن نبيهم ، فإنهم يستشهدون بكلام أجلاف العرب الذين

كانوا يبولون على أعقابهم ! كلمة عامة: لما انكشف لى ذلك كله

وغيره مما يحمله كتابنا - وبدت لى حياة الحديث المحمدى في صورة

واضحة جلية تتراءى في مرآة مصقولة ، أصبحت على بينة من أمر ما نسب

إلى الرسول من أحاديث ، آخذ ما آخذ منه ونفسي راضية ، وأدع ما أدع

وقلبي مطمئن ، ولا على في هذا أو ذلك أي حرج أو جناج . ولا يتوهمن

أحد أنى بدع في ذلك ، فإن علماء (1) الامة لم يأخذوا بكل حديث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت