فهذه الأحاديث وأمثالها مما أخبر به النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه يكون في هذه الأمة بعده إنما هو -فى الحقيقة- تبديل الأعمال التى كانوا أحق بالعمل بها، فلما عوضوا منها غيرها، وفشا فيها كأنه من المعمول به تشريعًا، كان من جملة الحوادث الطارئة على نحو ما بين في العبادات.
والذين ذهبوا إلى أنه مختص بالعبادات لا يسلمون جميع الأولون.
أما ما تقدَّم عن القرافى وشيخه، فقد مرَّ الجواب عنه [1] ، فإنه معاص في الجملة، ومخالفات للمشروع، كالمكوس، والمظالم، وتقديم الجهال على العلماء ... وغير ذلك.
والمباح منها كالمناخل، إن فرض مباحًا -كما قالوا-، فإنما إباحته بدليل شرعى، فلا ابتداع فيه، وإن فرض مكروهًا -كما أشار إليه محمد بن أسلم، فوجه الكراهية عنده كونها عدت من المحادثات، إذ أول ما أحدث بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المناخل، أو كما قال، فأخذ بظاهر اللفظ مَن أخذ به، كمحمد بن أسلم.
وظاهره أن ذلك من ناحية السرف والتنعم الذى أشار إلى كراهيته قوله تعالى { أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا } [2] ، لا من جهه أنه بدعة.
وقولهم: كما يتصور ذلك في العبادات يتصور في العادات، مسلَّم، وليس كلامنا في الجواز العقلى، وإنما الكلام في الوقوع، وفيه النزاع.
وأما ما احتجُّوا به من الأحاديث، فليس فيها على المسألة دليل واحد، إذ لم ينصُّ على أنها بدع أو محدثات أو ما يشير إلى ذلك المعنى.
وأيضًا إن عدوُّ كل محدث العادات بدعة، فليعدوا جميع ما لم يكن فيهم من المآكل والمشارب والملابس والكلام والمسائل النازلة التى لا عهد بها في الزمان الأول بدعًا، وهذا شنيع، فإن من العوائد ما تختلف بحسب الأزمان والأمكنة والاسم، أفيكون كل من خالف العرب الذين أدركوا الصحابة واعتادوا مثل عوائدهم غير متَّبعين لهم؟ هذا من المستنكر جدًا.
(1) ... تقدم ص170 وما بعدها.
(2) ... الأحقاف: 20.