الصفحة 24 من 471

فرجوت بالنظر في هذا الموضع الانتظام في سلك من أحيا سنة وأمات بدعة. وعلى طول العهد ودوام النظر اجتمع لى في البدع والسنن أصول قررت أحكامها الشريعة، وفروع طالت أفنانها لكنها تنتظمها تلك الأصول، وقلما توجد على الترتيب الذى سنح في الخاطر، فمالت إلى بثها النفسُ، ورأت أنه من الأكيد الطلب لما فيه من رفع الالتباس الناشئ بين السنن والبدع، لأنه لما كثرت البدع وعم ضررها، واستطار شررها، ودام الإكباب على العمل بها، والسكوت من المتأخرين عن الإنكار لها، وخلفت بعدهم خلوفٌ جهلوا أو غفلوا عن القيام بفرض القيام فيها، صارت كأنها سُنن مقررات، وشرائع من صاحب الشرع محررات، فاختلط المشروع بغيره، فعاد الراجع إلى محض السنة كالخارج عنها كما تقدم، فالتبس بعضها ببعض، فتأكد الوجوب بالنسبة إلى من عنده فيها علم، وقلما صنف فيها على الخصوص تصنيف، وما صنف فيها فغير كاف في هذه المواقف.

ثم إنى آخذت في ذلك مع بعض الإخوان، الذين أحللتهم من قلبى محل السويداء وقاموا لى في عامة أدواء نفسى مقام الدواء، فرأوا أنه من العمل الذى لا شبهة في طلب الشرع نشره، ولا إشكال في أنه بحسب الوقت من أوجب الواجبات، فاستخرت الله تعالى في وضع كتاب يشتمل على بيان البدع وأحكامها وما يتعلق بها من المسائل أصولًا وفروعًا وسميته

بـ"الاعتصام". واللهَ أسألُ أن يجعله عملًا خالصًا، ويجعل ظل الفائدة به ممدودًا لا قالصًا، والأجر على العناء فيه كاملًا لا ناقصًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.

الباب الأول

فى تعريف البدع وبيان معناها وما اشتق منه لفظًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت