الصفحة 33 من 150

وفي صدد ما تشير إليه الآيتان من سورة النساء (58، 59) يقول العلامة مُحَمَّد رشيد رضا:"والحكومة في أي صورها لا تقوم إِِلا برجال يلون ضروبًا من الأَعمال، فمنهم حراس على حدود المملكة يحمونها من عدوان الأجانب عليها، ويدافعون الوالج في ثغورها، وحفظة في داخل البلاد يأخذون على أيدي السفهاء، ممن يهتك ستر الحياء، ويميل إلى الاعتداء، من فتك أو سلب أو نحوهما، ومنهم حملة الشرع وعرفاء القانون يجلسون على منصات الأحكام لفصل الخصومات والحكم في المنازعات، ومنهم أهل جباية الأموال يحصلون من الرعايا ما فرضت عليهم الحكومة من خراج، مع مراعاة قانونها في ذلك، ثم يستحفظون ما يحصلون في خزائن المملكة، وهي خزائن الرعايا في الحقيقة، وإِن كانت مفاتيحها بأيدي خزنتها، ومنهم من يتولى صرف هذه الأموال في المنافع العامة للرعية، مع مراعاة الاقتصاد والحكمة، كإنشاء المدارس، والمكاتب، وتمهيد الطرق، وبناء القناطر، وإقامة الجسور وإِِعداد المستشفيات، ويؤدي أرزاق سائر العالمين في شؤون الحكومة من الحراس والحفظة وقضاة العدل وغيرهم حسبما عين لهم."

وهذه الطبقات من رجال الحكومة الوالين على أعمالها إنما تؤدي كل طبقة منها عملها المنوط بها بحكم الأَمانة فإن خزيت أمانة أولئك الرجال وهم أركان الدولة سقط بناء السلطة وسلب الأمن، وزاحت الراحة من بين الرعايا كافة، وضاعت حقوق المحكومين، وفشا فيهم القتل والتناهب، وَوَعِرتَ طرق التجارة، وتفتحت عليهم أبواب الفقر والفاقة، وخوت خزائن الحكومة، وعَمِيْت على الدولة سبل النجاح، فإِن حزبها أمر سدت عليها نَوَافِذُ النجاة، ولا ريب إِن قوما يساسون بحكومة خائنة، إما أن ينقرضوا بالفساد، وإما أن يأخذهم جبروت أمة أجنبية عنهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت