{أَلَمْ تَرَ إِلَىَ رَبّكَ كَيْفَ مَدّ الظِّلَّ} [الفرقان:45]
هذا أيضًا من ذلك النمط، ورجاء الأنبياء والرسل فمن دونهم إنما هو طمعهم في رحمته ومغفرته وانظر إلى دعوى هؤلاء وإلى قوم إمام الحنفاء خليل الرحمن صلى الله عليه وسلم: {وَالّذِيَ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدّينِ} [الشعراء:82] ، كيف علق رجاءه وطمعه بمغفرة الله له، وقال تعالى عن خاصة خلقه وأعلمهم به انهم: {يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} [الإسراء:57]
ومن العجب استدلاله بقوله تعالى {أَلَمْ تَرَ إِلَىَ رَبّكَ كَيْفَ مَدّ الظّلّ} [الفرقان:45] ، فما لهذه الآية وما للرجاء، ولا سيما ما ذكره المصنف في تفسيره رجاء القوم والاستشهاد بهذا من جنس الألغاز ومعنى الآية: التنبيه على هذه الدلالة الباهرة على قدرة الرب سبحانه وعجائب مخلوقاته الدالة عليه، والمعنى انظر كيف بسط ربك الظل، والظل ما قبل الزوال، والفئ بعده، فمده سبحانه وبسطه عند طلوع الشمس فإنه يكون مديدًا أطول ما يكون وجعل الشمس دليلًا عليه فإنها هى التى تظهره وتبينه ثم كلما ارتفعت الشمس شيئًا انقبض من الظل جزء، فلا يزال ينقص يسيرًا [يسيرًا] ، حتى ينتهى إلى غايته، فإذا أخذت الشمس في الجانب الغربى انبسط بعد انقباضه شيئًا فشيئًا، حتى يصير كهيئته عند طلوعها.
ولهذا كان الزوال يعرف بانتهاءِ الظل في قصره، فإذا أخذ في الزيادة بعد تناهى قصره فقد تحقق الزوال، ولو شاءَ الله لجعله ساكنًا دائمًا على حالة واحدة فلا يتحرك بالزيادة والنقصان، فالظل أحد الأدلة على الخالق سبحانه وأما دلالة هذه الآية على الرجاء فيحتاج إلى إشارة وتكلف غير مقصود بها، وآيات الرجاء في القرآن أكثر وأظهر وأصرح في المقصود ظاهرة واستنباطًا، فالظاهرة كقوله تعالى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ} [الكهف: 110] ، وقوله تعالى: {وَيَرْجُوْنَ رَحْمَتَهُ} [الإسراء: 57] ، وقوله: {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ الله} [العنكبوت: 5] .
والمستنبطة كآيات البشارة كلها كقوله: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 223] {وَبَشِّرْ الصَابِرِينَ} [البقرة: 155] ، {فَبَشِّرْ عِبَاد الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر: 17- 18] ، {ذَلِكَ الَّذِى يُبَشِّر اللهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الشورى: 23] .
فصل
قال: وشكرهم وسرورهم بموجودهم واستبشارهم بلقائه: فَاسْتَبْشِرُوا